يرى المسلم الملتزم المستمسك هذا كله بعينيه، ويلمسه بيديه، ولا يدري ماذا يصنع لمقاومته، وليس له من الأمر شيء، إنه لا يستطيع أن يغير المنكر بيده، ولا يستطيع أن يغيره بلسانه، فلم يبق له إلا أن يغيره بقلبه، وذلك أضعف الإيمان؛ والتغيير بالقلب أن يغلي من داخله كما يغلي القدر فوق النار، وأن يتحرق فؤاده على ما يرى حسرة وغماً، وأن يذوب قلبه كما يذوب الملح في الماء، لما يرى من المنكر ولا يستطيع تغييره.
وهذا الغليان النفسي لا يظل مكبوتاً أبد الدهر، بل لا بد أن يتنفس، معبراً عن نفسه، بصورة أو بأخرى. فإن القدر إذا زادت عليها النار، فلا بد أن تتفجر أو تتكسر.
الهجوم العلني والتآمر الخفي على الأمة الإسلامية
أضف إلى ذلك كله ما لقيه ويلقاه العالم الإسلامي شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً من هجمة شرسة على أوطانه، ومقدساته، وما يشن على الأمة الإسلامية من حرب لا تخبو نارها: علنية حيناً، وخفية أحياناً، حرب اتفقت عليها كل القوى غير المسلمة: يهودية وصليبية وشيوعية ووثنية، حتى إنها لتختلف فيما بينها كل الاختلاف، ثم نراها تتفق كل الاتفاق إذا هبت ريح الإسلام في صورة دعوة أو حركة أو دولة.
ولهذا تجد كل القضايا من يناصرها مادياً، ويدعمها أدبياً من شرق وغرب، مستفيدة من تناقضات الدول الكبرى، وخاصة الدولتان العظميان: أمريكا وروسيا. إلا القضايا الإسلامية، فإنها لا تجد تأييداً حقيقياً عملياً من هؤلاء ولا هؤلاء. وصدق الله إذ يقول: (( والذين كفروا بعضهم أولياءُ بعض ٍ ) ).
وهل يسع مسلماً يؤمن بالأخوة الإسلامية، ويعتز بالانتماء إلى خير أمة أخرجت للناس، ويؤمن بأن المسلمين -وإن اختلفت أوطانهم وألسنتهم - أمة واحدة، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، وأن من لم يهتم لأمر المسلمين فليس منهم - أن يرى مآسي أمته في كل مكان ويرى إخوانه في العقيدة معرضين للإبادة المادية بالتقتيل والتنكيل، أو الإبادة المعنوية بالتنصير أو"التشييع" (أي تحويلهم إلى شيوعيين) ، أو على الأقل التجهيل والتضليل، ثم يصبح ويمسي قرير العين، ضاحكاً ملء سنّه، نائماً ملء جفنه؟ فأين أخوة الإيمان، ورابطة الإسلام؟