فإذا نظرنا إلى المجتمع المسلم وجدنا قبول"العلمانية"لديه يعني شيئاً آخر: فإن الإسلام عقيدة وشريعة، ونظام كامل للحياة، وبهذا يعني قبوله"العلمانية"اطراح شريعة الله، ورفض أحكام الله، واتهام هذه الشريعة بأنها لا تصلح لهذا الزمن .. واتخاذ البشر شرائع لأنفسهم من وضع عقولهم، معناه: تفضيل علمهم المحدود وتجاربهم القاصرة على هداية الله (( قُلْ أأنْتم أعلمُ أمِ الله ) ).
لهذا كانت الدعوة إلى العلمانية بين المسلمين معناها: الإلحاد والمروق من الإسلام. وكان قبول العلمانية أساساً للحكم بدلاً من الشريعة الإسلامية ردة صريحة عن دين الأمة الذي رضيه الله لها، ورضيته لنفسها، والذي فرض عليها أن تحكم بما أنزل الله.
وكان السكوت من الشعب على هذا المنكر الكبير مخالفة بينه، ومعصية ظاهرة، أبرز نتائجها الشعور بالإثم، والإنكار القلبي على الوضع القائم، وفقد الإحساس بالرضى عنه والاطمئنان إليه والاحترام له لأنه وضع يفتقد الشرعية في نظر المسلم.
ثم إن العلمانية تنسجم مع التفكير الغربي الذي ينظر إلى الله أنه خلق العالم ثم تركه، فعلاقته به كعلاقة صانع الساعة بالساعة، صنعها أول مرة ثم تركها تدور بغير حاجة إليه. وهذا الفكر موروث من فلسفة اليونان، وخاصة فلسفة أرسطو الذي لا يدبر الإله عنده شيئاً من العالم، بل لا يعلم عنه شيئاً، فهو إله مسكين كما وصفه"ول ديورانت"! فلا عجب أن يدع مثل هذا إلاله الناس وشأنهم؛ إذ كيف يشرع لهم وهو يجهل أمورهم؟ بخلاف نظرتنا - نحن المسلمين - إلى الله، فهو خالق الخلق، ومالك الملك، ومدبر الأمر، الذي أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً، ووسعت رحمته كل شيء، ورزقه كل حي، لهذا أنزل الشرائع، وأحل الحلال، وحرم الحرام، وفرض على عباده أن يلتزموا بما شرع، ويحكموا بما أنزل، وإلا كفروا وظلموا وفسقوا. (انظر كتابنا الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا: 113 - 114)