قد يوجد من شذ عن ذلك من الحكام والمحكومين، من اتبع الهوى، وانحرف عن الهدى ودين الحق، ولكن لم يوجد قط من يجحد الإسلام شريعة يرجع إليها المختصمون، ويتحاكم إليها المختلفون.
حتى الطغاة والجبابرة المتسلطون من أمثال: الحجاج بن يوسف وغيره، إذا ووجهوا بأحكام الشرع، ونصوص القرآن والسنة، لم يملكوا إلا أن يقولوا: صدق الله ورسوله، سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير.
وفرق كبير بين أن تميل عن صراط الشريعة وعدلها، بدافع من شهوة أو غضب، أو حسد أو غفلة، أو نحو ذلك، وبين أن تجمّدها ولا تعترف بها، ولا تقر بأن لها السيادة، ومن حقها الحكم، لأنها تمثل كلمة الله، وحكم الله، وكلمة الله هي العليا، (( ومَنْ أحْسن مِن الله حكْمًا لقومٍ يوقِنون ) ) [المائدة:50] .
فلا غرو أن تصدم هذه المشكلة بعنف وجدان الجيل المسلم، وتقلق ضميره، حيث يجد الأمم الأخرى تكيف حياتها وفقاً لعقائدها وفلسفاتها وتصوراتها عن الدين والوجود وعن الله والإنسان، ويجد المسلم وحده مكتوباً عليه أن يعيش في صراع بين عقيدته وبين واقعه، بين دينه وبين مجتمعه.
"إن العلمانية"قد تقبل في مجتمع نصراني، ولكنها لا تجد قبولاً عاماً في مجتمع إسلامي أبداً.
"إن النصرانية"لا تشتمل على شريعة أو نظام للحياة يوجب على المؤمن بها التزاماً خاصاً بهذا النظام أو تلك الشريعة.
بل الإنجيل نفسه قبل تقسيم الحياة إلى شطرين: أحدهما لله أو للدين، والآخر لقيصر أو للدولة، فقال"أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله".
وبهذا يستطيع النصراني أن يعيش في ظل حكم علماني، وهو مطمئن الضمير غير مخدوش العقيدة.
كما أن الغربيين -من النصارى خاصة - لهم عذرهم في الهرب من"الحكم الديني"إلى الحكم العلماني. فالحكم الديني -كما عرفوه - يعني حكم الكهنة، وسلطة الكنيسة، وما يتبعها من قرارات الحرمان، وصكوك الغفران!