ضعف المعرفة بالتاريخ والواقع وسنن الكون والحياة
ويضاف إلى ضعف البصيرة بالدين: ضعف البصيرة بالواقع والحياة، وبالتاريخ، وبسنن الله في الخلق. فتجد أحدهم يريد ما لا يكون، ويطلب ما لا يوجد، ويتخيل ما لا يقع، ويفهم الوقائع على غير حقيقتها، ويفسرها وفقاً لأوهام رسخت في رأسه، لا أساس لها من سنن الله في خلقه ولا من أحكامه في شرعه. فهو يريد أن يغير المجتمع كله: أفكاره ومشاعره وتقاليده وأخلاقه وأنظمته: الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بوسائل وهمية، وأساليب خيالية، مع شجاعة وجرأة وفدائية لا تستكثر تضحية وإن غلت، ولا تعبأ بالموت تقع عليه أو يقع عليها، ولا تهتم بالنتائج أيًّا كانت ما دامت نيتها لله وهدفها إعلاء كلمة الله تعالى.
ومن ثم لا يستغرب أن تندفع إلى أعمال وتصرفات يسميها بعض الناس"انتحارية"ويسميها آخرون"جنونية"يسقط ضحيتها عدد منهم دون أن يبالوا بذلك شيئاً.
ولو رجع هؤلاء إلى السيرة النبوية لوجدوا أن رسول صلى الله عليه وسلم، ظل ثلاثة عشر عاماً في مكة يدعو ويربي؛ والشرك ضارب أطنابه عن يمينه وشماله، الكعبة البيت الحرام تحيط بها الأصنام التي بلغت نحو (360) صنماً، وهو عليه السلام يصلي عند الكعبة ويطوف بها، وتلك الأصنام من حوله، لم يفكر أن يقوم هو وأصحابه بهجمة فدائية لتحطيمها والخلاص منها، لأنه لو فعل لعرض نفسه وأصحابه للهلاك، لعدم تكافؤ القوى أو تقاربها، ولم تنته بذلك عبادة الأصنام، فإن عابديها سيقيمون بديلاً لها في اليوم التالي، ينحتونه أو يشترونه، لأن الوثنية قائمة في عقولهم قبل أن تكون في الصنم المعبود ذاته، فما لم تتحرر عقولهم من هذا الزور فلن يغني عنهم تحطيم الأوثان شيئاً.
ولهذا تركها صلى الله عليه وسلم، واشتغل بالدعوة إلى تحرير العقول بالتوحيد، وتطهير القلوب بالتقوى، وإعداد الصحف المؤمن لمعركة فاصلة مع قوى الكفر المتوثب للفتك، المضمر للسوء، وتربية أصحابه على الصبر الجميل، والنفس الطويل، حتى يأتي أوان المواجهة مع الوثنية العاتية وهو آت لا ريب فيه.