ولا عجب أن رأينا كثيراً من هؤلاء يتمسكون بحرفية النصوص دون تغلغل إلى فهم فحواها ومعرفة مقاصدها، فهم في الحقيقة يعيدون"المدرسة الظاهرية"من جديد، بعد أن فرغت منها الأمة، وهي المدرسة التي ترفض التعليل للأحكام، وتنكر القياس تبعاً لذلك، وترى أن الشريعة تفرق بين المتماثلين، وتجمع بين المختلفين.
وهذه"الظاهرية الحديثة"تتبع المدرسة القديمة في إغفالها للعلل، وإهمالها الالتفات إلى المقاصد والمصالح، وتنظم العادات والعبادات في سِلْك واحد، بحيث يؤخذ كل منهما بالتسليم والامتثال، دون بحث عن العلة الباطنة وراء الحكم الظاهر. وكل الفرق بين القدامى والجدد، أن أولئك أعلنوا عن منهجهم بصراحة، ودافعوا عنه بقوة، والتزموه بلا تحرج، أما هؤلاء فلا يسلّمون بظاهريتهم، على أنهم لم يأخذوا من الظاهرية إلا جانبها السلبي فقط، وهو رفض التعليل مطلقاً، والالتفات إلى المقاصد والأسرار.
وأنا مع المحققين من علماء المسلمين في أن الأصل في العبادات هو التعبد بها دون نظر إلى ما فيها من مصالح ومقاصد، بخلاف ما يتعلق بالعادات والمعاملات. (ذكر ذلك الإمام الشاطبي مؤيداً بأدلته الشرعية في كتابيه الموافقات والاعتصام)
فلا يجوز أن يقال: إن إنفاق المال على فقراء المسلمين، أو على المشاريع الإسلامية النافعة، أهم من أداء فريضة الحج الأول، أو يقال: إن التصدق بثمن هدي التمتع والقرآن في الحج أولى من ذبح النسك الذي تعظم به شعائر الله.
ولا يجوز أن يقال: إن الضرائب الحديثة تغني عن الزكاة ثالثة دعائم الإسلام، وشقيقة الصلاة في القرآن الكريم والسنة المطهرة.
ولا يجوز أن يستبدل برمضان شهر آخر للصيام، ولا بيوم الجمعة يوم آخر، ـ كيوم الأحد مثلاً ـ لإقامة الصلاة الأسبوعية المعروفة المفروضة على المسلمين.
ولكن في غير العبادات - والعبادات المحضة خاصة - أي في مجال العادات والمعاملات ننظر إلى العلل، ونلتفت إلى المصالح والمقاصد المنوطة بالأحكام، فإذا اهتدينا إليها ربطنا الحكم بها إثباتاً ونفياً، فإن الحكم - كما قالوا - يدور مع علته وجوداً وعدماً.
تأمل معي هذه النصوص الشريفة: