إن ولع هؤلاء بالهدم لا بالبناء ولع قديم، وغرامهم بانتقاد غيرهم وتزكية أنفسهم شنشنة معروفة، والله تعالى يقول: (( فلا تُزكُّوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ) ) [النجم:32] . إن آفة هؤلاء هي: سوء الظن المتغلغل في أعماق نفوسهم، ولو رجعوا إلى القرآن والسنة لوجدوا فيهما ما يغرس في نفس المسلم حسن الظن بعباد الله، فإذا وجد عيباً ستره ليستره الله في الدنيا والآخرة، وإذا وجد حسنة أظهرها وأذاعها، ولا تنسيه سيئة رآها في مسلم حسناته الأخرى، ما يعلم منها وما لا يعلم.
أجل، إن التعاليم الإسلامية تحذر أشد التحذير من خصلتين:
سوء الظن بالله، وسوء الظن بالناس، والله تعالى يقول: (( يا أيّها الذين آمنوا اجتنِبوا كثيراً مِن الظنِّ إنَّ بعْض الظنِّ إثمٌ ) ) [الحجرات:12] ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:"إيّاكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث" [متفق عليه] .
وأصل هذا كله: الغرور بالنفس، والازدراء للغير، ومن هنا كانت أول معصية الله في العالم: معصية إبليس، وأساسها: الغرور والكبر (( أنا خيرٌ مِنه ) ).
وحسبنا في التحذير من هذا الاتجاه، الحديث النبوي الصحيح: إذا سمعتم الرجل يقول: هلك الناس، فهو أهلكهم. [رواه مسلم] .
جاءت الرواية بفتح الكاف"فهو أهْلكهم"على أنه فعل ماض، أي: كان سبباً في هلاكهم باستعلائه عليهم وسوء ظنه بهم، وتيئيسهم من روح الله تعالى.
وجاءت بضم الكاف أيضاً؟"فهو أهلكهم"أي أشدهم وأسرعهم هلاكاً، بغروره وإعجابه بنفسه، واتهامه لهم.
والإعجاب بالنفس أحد المهلكات الأخلاقية التي سماها علماؤنا:"معاصي القلوب"التي حذّر منها الحديث النبوي بقوله:"ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه".