وشيء آخر، هو أن"التطرف الديني"اليوم في قفص الاتهام، والألسنة والأقلام تصوب سهامها إليه من كل جانب، ولا أحب لنفسي أن أكون مع الطرف القوي ضد الطرف الضعيف. والسلطة دائماً هي الطرف القوي، وخصمها المتهم من الأفراد والجماعات هو الضعيف، وحسبه من الضعف أنه لا يملك الدفاع عن نفسه، وكيف يدافع عن نفسه من لا يملك صفحة ولا عموداً في جريدة، ولا موجة في محطة إذاعة، ولا قناة في تلفاز، حتى منبر المسجد لا يستطيع أن يعتليه دفاعاً عن نفسه!
وزاد من ترددي في البداية، أن العاملين للإسلام منذ عقود من السنين تصب عليهم التهم صباً من قبل خصومهم، فطالما وصفوا بـ"الرجعية"ودمغوا بـ"التعصب"ورموا بـ"الإرهاب"بل اتهموا بـ"العمالة"مع أن أي مراقب أو دارس يرى ويلمس: أن الشرق والغرب، واليمين واليسار، يعاديهم ويتربص بهم.
ولكني بعد تأمل وتفكر، وجدت القضية تهم العالم الإسلامي كله، ولا تخص بلداً بعينه، ورأيت السكوت ليس حلاً، ووجدت رفض الدعوة الموجهة إليَّ، لا يسعه ديني، وهو يشبه الفرار من المعركة، لذا فضلت الكتابة، متوكلاً على الله"وإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".
أضف إلى ذلك، أن أقلاماً كثيرة: جاهلة أو حاقدة أو مأجورة، خاضت في الموضوع بغير علم ولا هدى، ولا كتاب منير، فكان على أقلام أهل العلم بالإسلام، أن تبين ولا تكتم، فتأتي البيت من بابه، وتضع الحق في نصابه.
ومما قوى عزمي على الكتابة في الموضوع، أن اهتمامي به ليس ابن اليوم، ولا وليد الأمس، فقد عنيت به من زمن بعيد، ونشرت منذ سنوات، في مجلة"المسلم المعاصر"عن"ظاهرة الغلو في التكفير"الذي صدر في رسالة مستقلة فيما بعد، كما نشرت في مجلة"الأمة"القطرية منذ أشهر دراستي (التي أشرت إليها آنفاً) عن"صحوة الشباب الإسلامي".
فضلاً عن أحاديث طويلة مع كثير من هذا الشباب، خلال السنوات الماضية في مخيماتهم وحلقاتهم، تدور كلها حول محور أساسي، هو الدعوة إلى الاعتدال، والحذر من"التطرف"...
غير أن ما كتبته في"العربي"كان محكوماً بالنقطة التي طلبت مني، وبالمساحة التي تُعطى لمقالة مهما طالت.