فعدَّل الله له هذه الرغبة ، وصحَّح له ، بأن ذريتك ستكون منها الظالم ، فقال: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين} [البقرة: 124] .
لذلك تعلَّم إبراهيم عليه السلام من هذا الموقف ، وأراد أن يحتاط لنفسه بعد ذلك ، فعندما أراد أن يطلب من ربه أن يرزق أهل مكة من الثمرات قال: {رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بالله واليوم الآخر . .} [البقرة: 126] .
فصحَّح الله له أيضاً هذا المطلب ، فالموقف هنا مختلف عن الأول ، الأول كان في إمامة القيم والدين ، وهذه لا يقوم بها ظالم ، أما هذه فرزق وعطاء ربوبية يشمل المؤمن والكافر والطائع والعاصي ، فالجميع في الرزق سواء ، فقال تعالى: {وَمَن كَفَرَ . .} [البقرة: 126] .
أي: سأرزق الكافر أيضاً .
وهنا تتجلى عظمة الربوبية التي تُربِّي الأنبياء ، وتصنعهم على عَيْنها ، فكل مواقف الأنبياء تتجمع في النهاية ، وتعطينا خلاصة الكمال البشري .
ويدل على دقة إبراهيم عليه السلام في أداء ما طُلِب منه موقفه في بناء البيت ، فبعد أن دَلَّه الله على مكانه أخذ يُزيح عنه آثار السيول ، ويكشف عن قواعده ، وكان يكفي إبراهيم لتنفيذ أمر ربه أنْ يرفع البناء إلى ما تناله يده من ارتفاع ، ولكنه أحب أن يأتي بالأمر على أتمِّ وجوهه ، وينفذه بدقة واحتياط ، ففكَّر أن يأتي بحجر مرتفع ، ويقف عليه ليزيد من ارتفاع البناء ، فجاء بالحجر الذي هو مقام إبراهيم ، كل ذلك وولده يساعده ؛ لذلك لما أتى بالحجر جاء بحجر لا يرفعه إلا رجلان .
وكذلك موقفه الإيماني وتخلِّيه عن الأسباب ، حينما ترك زوجه هاجر وصغيره إسماعيل في وادٍ غير ذي زرع ، وفي مكان خالٍ من مُقوِّمات الحياة وأسباب العيش .