وَجَمَعَ لَنَا فِيهِ الْوَجْهَيْنِ: فَضْلَ الْعَمَلِ فِي الْآخِرَةِ ، وَجَوَازَ الْعَمَلِ فِي الدُّنْيَا ، وَخَشِيَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا جَرَى لِمَنْ كَانَ قَبْلَنَا مِنْ التَّنَطُّعِ فِي يَوْمِهِمْ الَّذِي اخْتَارُوهُ ، فَمَنَعْنَا مِنْ صِيَامِهِ ، فَقَالَ: {لَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ ، وَلَا لَيْلَتَهَا بِقِيَامٍ} .
وَعَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
وَرَأَى مَالِكٍ أَنَّ صَوْمَهُ جَائِزٌ كَسَائِرِ الْأَيَّامِ.
وَقَالَ: إنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي زَمَانِهِ كَانَ يَصُومُهُ ، وَأَرَاهُ كَانَ يَتَحَرَّاهُ.
وَنَهْيُ النَّبِيِّ عَنْ تَخْصِيصِهِ أَشْبَهُ بِحَالِ الْعَالِمِ الْيَوْمَ فَإِنَّهُمْ يَخْتَرِعُونَ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يُلْحِقُهُمْ بِمَنْ تَقَدَّمَ ، وَيَسْلُكُونَ بِهِ سُنَّتَهُمْ ؛ وَذَلِكَ مَذْمُومٌ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ فِيهِ الصَّلَاةَ ، وَلَمْ يَشْرَعْ فِيهِ الصِّيَامَ ، وَشَرَعَ فِيهِ الذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ ؛ فَوَجَبَ الِاقْتِفَاءُ لِسُنَّتِهِ ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى مَا أَبَانَ مِنْ شِرْعَتِهِ ، وَالْفِرَارُ عَنْ الرَّهْبَانِيَّةِ الْمُبْتَدَعَةِ ، والْخَشْيَةُ مِنْ الْبَاطِلِ الْمَذْمُومِ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَوْلُهُ: {فِيهِ خُلِقَ آدَم} يَعْنِي: جَمَعَ فِيهِ خَلْقَهُ ، وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ ، وَهَذَا فَضْلٌ بَيِّنٌ.
وَقَوْلُهُ: {فِيهِ أُهْبِطَ إلَى الْأَرْضِ} يَخْفَى وَجْهُ الْفَضْلِ فِيهِ ؛ وَلَكِنَّ الْعُلَمَاءَ أَشَارُوا إلَى أَنَّ وَجْهَ التَّفْضِيلِ فِيهِ أَنَّهُ تِيبَ عَلَيْهِ مِنْ ذَنْبِهِ ، وَهَبَطَ إلَى الْأَرْضِ لِوَعْدِ رَبِّهِ ، حِينَ قَالَ: {إنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} .