وبعد بيان الحلال والحرام والمباح للضرورة لهذه الأمة، ذكر تعالى ما كان حرمه على اليهود في شريعتهم قبل نسخها، فقال: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا .. أي وقد حرمنا على اليهود ما أخبرناك به أيها الرسول في سورة الأنعام: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ، وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما، إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ [الأنعام 6/ 146] فلا يصح لكم أيها العرب التحريم والتحليل من عند أنفسكم، ولا تقليد اليهود فيما حرمنا عليهم، فلم نحرم عليهم إلا ما ذكر.
وسبب التحريم هو: وَما ظَلَمْناهُمْ .. أي وما كان التحريم بظلم منا، ولكن كان بسبب ظلم ارتكبوه، فإنهم ظلموا أنفسهم بعصيان ربهم ومعاندة رسلهم، وتجاوز حدودهم، فاستحقوا ذلك، وعوقبوا بما حرمناه عليهم، كما قال تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ..
[النساء 4/ 160] . وهو صريح في أن التحريم كان بسبب الظلم والبغي، عقوبة وتشديدا.
ثم أبان الله تعالى إمكان قبول التوبة تكرما وامتنانا على العصاة والمفترين على الله، والمنتهكين حرماته، فقال: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ أي إن الافتراء على الله ومخالفة أمر الله لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة والرحمة، فإن
ربك غفور ستار رحيم بالذين افتروا عليه بالتحليل والتحريم، وعملوا السوء:
وهو كل ما لا ينبغي من الكفر والمعاصي، بسبب الجهالة لأن كل من عمل السوء، فإنما يفعله بالجهالة، فلا يرضى أحد بالكفر مع العلم بكونه كفرا، ولا تصدر المعصية عنه إلا إذا غلبت الشهوة على العقل والعلم.
لكن المغفرة والرحمة مرتبطان بالتوبة والإنابة، والندم على ما فعلوا، وإصلاح الأعمال على وفق مراد الله ورسوله، فمن تاب من بعد ذلك، أي من بعد تلك السيئة أو الجهلة، وأصلح عمله، فآمن بالله ورسوله وأطاع الله ورسوله، فإن الله يغفر ذنبه، ويرحمه في الآخرة والدنيا.