وقال الآلوسي: وحاصل معنى الآية: لا تسلموا ما لم يأتكم حله ولا حرمته عن الله - تعالى - ورسوله صلى الله عليه وسلم حلالا ولا حراما، فتكونوا كاذبين على الله، لأن مدار الحل والحرمة ليس إلا حكمه - سبحانه - .
ومن هنا قال: أبو نضرة: لم أزل أخاف الفتيا منذ أن سمعت هذه الآية إلى يومى هذا.
وقال ابن العربي: كره مالك وقوم أن يقول المفتي: هذا حلال وهذا حرام في المسائل
الاجتهادية. وإنما يقال ذلك فيما نص الله عليه. ويقال في المسائل الاجتهادية: إنى أكره كذا وكذا ونحو ذلك.
وقوله - سبحانه -: إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ بيان لسوء عاقبتهم، وخيبة مسعاهم.
أي: إن الذين يختلقون الكذب وينسبونه إلى الله - تعالى - لا يفوزون بمطلوب، ولا يفلحون في الوصول إلى مأمول.
وقوله - تعالى -: مَتاعٌ قَلِيلٌ بيان لخسة ما يسعون للحصول إليه من منافع الدنيا، وهو خبر لمبتدأ محذوف أي: متاعهم في الدنيا متاع قليل، لأنهم عما قريب سيتركونه لغيرهم بعد رحيلهم عن هذه الدنيا.
ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم في الآخرة فقال: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي: ولهم في الآخرة عذاب شديد الألم.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ وقوله - تعالى -: وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا، ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك، أن ما حرمه على اليهود من طيبات، كان بسبب ظلمهم وبغيهم، وأن رحمته - تعالى - تسع العصاة متى تابوا وأصلحوا، فقال - تعالى -:
[سورة النحل (16) : الآيات 118 إلى 119]
(وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(118)