أي: بطيش وحُمْق وسَفَه ، وجميعها داخلة في الجهل بمعنى أنْ تعتقد شيئاً وهو غير واقع ، فالجهل هنا ليس المراد منه عدم العلم ، إنما الجاهل مَنْ كانت لديه قضية مخالفة للواقع وهو متمسك بها ، والمراد أن ينظر إلى خير عاجل في نظره ، ويترك خيراً آجلاً في نظر الشرع .
وقد ورد هذا المعنى في قول الحق سبحانه: {إِنَّمَا التوبة عَلَى الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السواء بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} [النساء: 17] .
بجهالة: يعني في لحظة سَفَه وطيْش ، فالعاصي يعلم الحكم تماماً ، ولكنه في غفلة عنه ، وعدم تبصُّر بالعواقب ، ولو فكَّر في عاقبة أمره ما تجرَّأ على المعصية .
لذلك نقول: إن صاحب المعصية لا يُقدِم عليها إلا في غيبة العقل .
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن".
ولو استحضر قسوة الجزاء لما أقدم على معصيته ، ولكن سفهه وطيْشه يُغلّف الجزاء ويستره عنه ويُزيّن له ما ينتظره من لذة ومتعة عاجلة .
وهَبْ أن شخصاً ألحتْ عليه غريزة الجنس ، وهي أشرس الغرائز في الإنسان ، ففكّر في الفاحشة والعياذ بالله ، وقبل أنْ يقع في هذه الوهدة السحيقة أخذناه إلى موقد النار ، وذكّرناه بما غفل عنه من جزاء وعقوبة هذه الجريمة .
بالله عليك ، ماذا تراه يفعل؟ هل يُصِرّ على جريمته؟ لا ، لأنه كان ذاهلاً غافلاً ، وبمجرد أن تذكره يرجع .
إذن: طيشه وسفهه صرفه عن التفكر في العاقبة وأذهله عن رَدِّ الفعل ، وجعله ينظر إلى الأمور نظرة سطحية متعجِّلة .
وقوله: {ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصلحوا . .} [النحل: 119] .
والتوبة هنا هي التوبة النصوح الصادقة ، التي ينوي صاحبها الإقلاع عنها وعدم العَوْد إليها مرة أخرى ، ويعزم على ذلك حال توبته ، فإذا فعل ذلك قَبِل الله منه وتاب عليه .