وقال تعالى في سورة المائدة: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ . .} [المائدة: 3] .
وهذه الأشياء كنتم تأكلونها وهي مُحرّمة عليكم ، والآن ما دُمْنَا ننقذكم ، ونجعل لكم معونة إيمانية من رسول الله ، فكلوا هذه الأشياء حلالاً طيباً .
ولكن ، لماذا كرَّر هذا المعنى هنا؟
التكرار هنا لأمرين:
الأول: أنه سبحانه لا يريد أنْ يعطيهم صورة عامة بالحكم ، بل صورة مُشخَّصة بالحالة ؛ لأنهم كانوا جَوْعى يريدون ما يأكلونه ، حتى وإنْ كانت الجيف ، ولكن الإسلام يُحرِّم الميتة ، فأوضح لهم أنكم بعد ذلك ستأكلون الحلال الطيب .
ثانياً: أن النص يختلف ، ففي البقرة: {وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله . .} [البقرة: 173] .
وهنا: {وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ . .} [النحل: 115] .
وليس هنا من قبيل التفنُّن في الأسلوب ، بل المعنى مختلف تماماً ؛ ذلك لأن الإهلال هو رَفْع الصوت عند الذبح ، فكانوا يرفعون أصواتهم عند الذبح ، ولكن والعياذ بالله يقولون: باسم اللات ، أو باسم العُزّى ، فيُهلون بأسماء الشركاء الباطلين ، ولا يذكرون اسم الله الوهاب .
فمرَّة يُهلُّون به لغير الله ، ومرة يُهِلُّون لغير الله به . كيف ذلك؟
قالوا: لأن الذبْح كان على نوعين: مرة يذبحون للتقرُّب للأصنام ، فيكون الأصل في الذبح أنه أُهِلَّ لغير الله به . أي: للأصنام .
ومرَّة يذبحون ليأكلوا دون تقرُّب لأحد ، فالأصل فيه أنه أُهِلَّ به لغير الله .
إذن: تكرار الآية لحكمة ، وسبحان مَنْ هذا كلامه .
وقوله: {فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ . .} [النحل: 115] .
الاضطرار: أَلاَّ تجد ما تأكله ، ولا ما يقيم حياتك .