والضمير في {بعدها} يرجع إلى الفتنة ، أو إلى المهاجرة والجهاد والصبر ، أو إلى الجميع.
{يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تجادل عَن نَّفْسِهَا} قال الزجاج: {يوم تأتي} منتصب بقوله: {رحيم} ، أو بإضمار اذكر ، أو ذكرهم ، أو أنذرهم ، وقد استشكل إضافة ضمير النفس إلى النفس ، ولا بدّ من التغاير بين المضاف والمضاف إليه.
وأجيب بأن المراد بالنفس الأولى: جملة بدن الإنسان ، وبالنفس الثانية: الذات ، فكأن قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته ، لا يهمه غيرها.
ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها ، فهو مجادل ومخاصم عن نفسه ، لا يتفرّغ لغيرها يوم القيامة.
وقد أخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهاجر إلى المدينة قال لأصحابه:"تفرّقوا عني ، فمن كانت به قوّة فليتأخر إلى آخر الليل ، ومن لم تكن به قوّة فليذهب في أوّل الليل ، فإذا سمعتم بي قد استقرّت بي الأرض فألحقوا بي"، فأصبح بلال المؤذن ، وخباب ، وعمار ، وجارية من قريش كانت أسلمت ، فأخذهم المشركون وأبو جهل ، فعرضوا على بلال أن يكفر فأبى ، فجعلوا يضعون درعاً من حديد في الشمس ، ثم يلبسونها إياه ، فإذا ألبسوها إياه ، قال: أحد أحد ، وأما خباب ، فجعلوا يجرّونه في الشوك ، وأما عمار ، فقال لهم كلمة أعجبتهم تقية ، وأما الجارية فوتد لها أبو جهل أربع أوتاد ، ثم مدّها فأدخل الحربة في قبلها حتى قتلها ، ثم خلوا عن بلال وخباب وعمار ، فلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بالذي كان من أمرهم ، واشتدّ على عمار الذي كان تكلم به.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم"كيف كان قلبك حين قلت الذي قلت؟ أكان منشرحاً بالذي قلت أم لا"؟ قال لا ، فأنزل الله {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان} .