وقد تقدّم الكلام في الاستعاذة مستوفى في أوّل هذا التفسير.
والضمير في {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ} للشأن أو للشيطان ، أي: ليس له تسلط"على"إغواء {الذين ءامَنُواْ وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} وحكى الواحدي عن جميع المفسرين أنهم فسروا السلطان بالحجة.
وقالوا: المعنى: ليس له حجة على المؤمنين في إغوائهم ودعائهم إلى الضلالة.
ومعنى {وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} يفوّضون أمورهم إليه في كل قول وفعل.
فإن الإيمان بالله والتوكل عليه يمنعان الشيطان من وسوسته لهم ، وإن وسوس لأحد منهم ، لا تؤثر فيه وسوسته.
وهذه الجملة تعليل للأمر بالاستعاذة ، وهؤلاء الجامعون بين الإيمان والتوكل هم الذين قال فيهم إبليس: {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين} [الحجر: 40] وقال الله فيهم: {إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين} [الحجر: 42] .
ثم حصر سبحانه سلطان الشيطان ، فقال: {إِنَّمَا سلطانه} أي: تسلطه على الإغواء {على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ} أي: يتخذونه ولياً ويطيعونه في وساوسه {والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} الضمير في {به} يرجع إلى الله تعالى ، أي: الذين هم بالله مشركون.
وقيل: يرجع إلى الشيطان.
والمعنى: والذين هم من أجله وبسبب وسوسته مشركون بالله.
{وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءايَةً مَّكَانَ ءايَةٍ} هذا شروع منه سبحانه في حكاية شبه كفرية ودفعها.
ومعنى التبديل: رفع الشيء مع وضع غيره مكانه.
وتبديل الآية رفعها بأخرى غيرها ، وهو نسخها بآية سواها.
وقد تقدّم الكلام في النسخ في البقرة {قَالُواْ} أي: كفار قريش الجاهلون للحكمة في النسخ {إِنَّمَا أَنتَ} يا محمد {مُفْتَرٍ} أي: كاذب مختلق على الله ، متقوّل عليه بما لم يقل ، حيث تزعم أنه أمرك بشيء.