وأكثر المفسرين على أن هذه الحياة الطيبة هي في الدنيا ، لا في الآخرة ؛ لأن حياة الآخرة قد ذكرت بقوله: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} وقد قدّمنا قريباً تفسير الجزاء بالأحسن.
ووحد الضمير في"لنحيينه"وجمعه في {ولنجزينهم} حملاً على لفظ {من} وعلى معناه.
ثم لما ذكر سبحانه العمل الصالح والجزاء عليه أتبعه بذكر الاستعاذة التي تخلص بها الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية ، فقال: {فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان فاستعذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم} والفاء لترتيب الاستعاذة على العمل الصالح ، وقيل: هذه الآية متصلة بقوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَانًا لّكُلّ شَيْء} والتقدير: فإذا أخذت في قراءته ، فاستعذ.
قال الزجاج وغيره من أئمة اللغة: معناه: إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ: وليس معناه: أستعذ بعد أن تقرأ القرآن ، ومثله: إذا أكلت فقل: بسم الله.
قال الواحدي: وهذا إجماع الفقهاء أن الاستعاذة قبل القراءة ، إلاّ ما روي عن أبي هريرة ، وابن سيرين ، وداود ، ومالك ، وحمزة من القراء ، فإنهم قالوا: الاستعاذة بعد القراءة ، ذهبوا إلى ظاهر الآية ، ومعنى {فاستعذ بالله} اسأله سبحانه أن يعيذك من الشيطان الرجيم ، أي: من وساوسه.
وتخصيص قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة بالاستعاذة عند إرادتها للتنبيه على أنها لسائر الأعمال الصالحة عند إرادتها أهمّ ؛ لأنه إذا وقع الأمر بها عند قراءة القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كانت عند إرادة غيره أولى ، كذا قيل.
وتوجيه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للإشعار بأن غيره أولى منه بفعل الاستعاذة ؛ لأنه إذا أمر بها لدفع وساوس الشيطان مع عصمته ، فكيف بسائر أمته؟ وقد ذهب الجمهور إلى أن الأمر في الآية للندب.
وروي عن عطاء الوجوب أخذاً بظاهر الأمر.