فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمرّ بهما ويسمع قراءتهما ، وكان المشركون يقولون: يتعلّم منهما ، فأنزل الله هذه الآية وأكذبهم.
وقيل: عنَوْا سلمان الفارسي رضي الله عنه ؛ قاله الضحاك.
وقيل: نصرانيا بمكة اسمه بلعام ، وكان غلاماً يقرأ التوراة ؛ قاله ابن عباس.
وكان المشركون يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يدخل عليه ويخرج من عنده ، فقالوا: إنما يعلمه بلعام.
وقال القُتَبِيّ: كان بمكة رجل نصراني يقال له أبو ميسرة يتكلم بالرومية ، فربما قعد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال الكفار: إنما يتعلّم محمد منه ، فنزلت.
وفي رواية أنه عدّاس غلام عتبة بن ربيعة.
وقيل: عابس غلام حويطب بن عبد العُزَّى ويسار أبو فكيهة مولى ابن الحضرمي ، وكانا قد أسلما.
والله أعلم.
قلت: والكل محتمل ؛ فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم ربما جلس إليهم في أوقات مختلفة ليعلمهم مما علمه الله ، وكان ذلك بمكة.
وقال النحاس: وهذه الأقوال ليست بمتناقضة ؛ لأنه يجوز أن يكونوا أَوْمَأوا إلى هؤلاء جميعاً ، وزعموا أنهم يعلمونه.
قلت: وأما ما ذكره الضحاك من أنه سلمان ففيه بُعْدٌ ، لأن سلمان إنما أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، وهذه الآية مكية.
{لِّسَانُ الذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ} الإلحاد: الميل ؛ يقال: لحد وألحد ، أي مال عن القصد.
وقد تقدّم في الأعراف.
وقرأ حمزة"يَلْحَدون"بفتح الياء والحاء ؛ أي لسان الذي يميلون إليه ويشيرون أعجميّ.
والعُجْمة: الإخفاء وضدّ البيان.
ورجل أعجم وامرأة عجماء ، أي لا يُفصح ؛ ومنه عُجْم الذنب لاستتاره.
والعجماء: البهيمة ؛ لأنها لا توضح عن نفسها.
وأعجمت الكتاب أي أزلت عجمته.
والعرب تسمي كل من لا يعرف لغتهم ولا يتكلم بكلامهم أعجمياً.
وقال الفَرّاء: الأعجم الذي في لسانه عجمة وإن كان من العرب ، والأعجمي أو العجمي الذي أصله من العجم.