وقوله"بل ينمى إلى المستند"يعني أنه إذا وجد في كلام العلماء أن نصاً منسوخ بالإجماع ، فإنهم إنما يعنون أنه منسوخ بالنص الذي هو مستند الإجماع ، لا بنفس الإجماع. لما ذكرنا من منع النسخ به شرعاً. وكذلك لا يجوز نسخ الوحي بالقياس على التحقيق ، وإليه أشار في المراقي بقوله:
وينسخ الخف بما له ثقل... وقد يجيء عاريا من البدل
أنه باطل بلا شك. والعجب ممن قال به العلماء الأجلاء مع كثرتهم ، مع أنه مخالف مخالفة صريحة لقوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106] فلا كلام البتة لأحد بعد كلام الله تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً} [النساء: 122] ، {اومن أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً} [النساء: 87] ، {أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ الله} [البقرة: 140] فقد ربط جل وعلا في هذه الآية الكريمة بين النسخ ، وبين الإتيان ببدل المنسوخ على سبيل الشرط والجزاء. ومعلوم أن الصدق والكذب في الشرطية يتواردان على الربط. فيلزم أنه كلما وقع النسخ وقع الإتيان بخير من المنسوخ أو مثله كما هو ظاهر.
وما زعمه بعض أهل العلم من أن النسخ وقع في القرآن بلا بدل وذلك في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ الرسول فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} [المجادلة: 12] فإنه نسخ بقوله: {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} [المجادلة: 13] الآية ، ولا بدل لهذا المنسوخ.
فالجواب - أنه له بدلاً ، وهو أن وجوب تقديم الصدقة أمام المناجاة لما نسخ بقي استحباب الصدقة وندبها ، بدلاً من الوجوب المنسوخ كما هو ظاهر.