والهمزة في قوله: {أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} للاستفهام التوبيخي التقريعي المضمن للإنكار، وداخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أبعد علمهم بأن الرازق هو الله تعالى يشركون به، فيجحدون نعمته، حيث يتخذون له شركاء، فإن الإشراك يقتضي أن يضاف إليهم بعض ما أنعم الله عليهم، ويجحدوا أنه من عند الله تعالى، أو حيث أنكروا أمثال هذه الحجج بعد ما أنعم الله عليهم بإيضاحها، فالله تعالى يدعو عباده بهذه الآية إلى التوحيد، ونفي الشرك، حتى يتخلصوا من الشرك والظلمات، ويتشرفوا بالتوحيد والأنوار العاليات.
وقرأ الجمهور: {يَجحَدُونَ} بالياء على الغيبة، وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو عبد الرحمن والأعرج بخلاف عنه: {تجحدون} بالتاء على الخطاب، وقراءة الغيبة أولى لأنها ظاهر السّياق.
والمعنى على قراءة الخطاب: أنكم أيها المالكون لستم برادي رزقكم على مماليككم، بل أنا الذي أرزقكم وإياهم، فلا تظنوا أنكم تعطونهم شيئًا، وإنما هو رزقي أجريه على أيديكم، أنتم وهم جميعًا سواء لا مزية لكم على مماليككم.
72 -ثم ذكر ضروبًا أخرى من ضروب نعمه على عباده، تنبيهًا إلى جليل إنعامه بها، إذ هي زينة الحياة فقال: {وَاللَّهُ} سبحانه وتعالى وحده {جَعَلَ لَكُمْ} أيها الرجال {مِنْ أَنْفُسِكُمْ} ؛ أي: من جنسكم {أَزْوَاجًا} ؛ أي: نساء وزوجات، لتأنسوا بها وتقيموا بذلك جميع مصالحكم، ويكون أولادكم أمثالكم، ومن هنا أخذ بعض العلماء أنه يمتنع أن يتزوج المرؤ امرأة من الجن، إذ لا مجانسة بينهما، فلا مناكحة، وأكثرهم على إمكانه، ويدل عليه أن أحد أبوي بلقيس كان جنيًّا، قال ابن الكلبي: كان أبوها من عظماء الملوك، فتزوج امرأة من الجن يقال لها ريحانة بنت السكت، فولدت له بلقيس، وفيه حكايات أخر في"آكام المرجان"،
فإن قيل: غلبة عنصر النار في الجن تمنع من أن تتكون النطفة الإنسانية في رحم الجنية لما فيها من الرطوبات، فتضمحل ثمة لشدة الحرارة النيرانية، وقس عليه نكاح الجني الإنسية.