قال الحجة الغزالي"في الإحياء": انظر إلى النحل كيف أوحى الله إليها حتى اتخذت من الجبال بيوتاً. وكيف استخرج من لعابها الشمع والعسل. وجعل أحدهما ضياءً والآخر شفاءً. ثم لو تأملت عجائب أمرها في تناولها الأزهار والأنوار، واحترازها من النجاسات والأقدار، وطاعتها لواحد من جملتها وهو أكبرها شخصاً وهو أميرها، ثم ما سخر الله لأميرها من العدل والإنصاف بينها، حتى أنه ليقتل منها على باب المنفذ كل ما وقع منها على نجاسة؛ لقضيت من ذلك العجب إن كنت بصيراً في نفسك، وفارغاً من هم بطنك وفرجك، وشهوات نفسك في معاداة أقرانك، وموالاة إخوانك. ثم دع عنك جميع ذلك، وانظر إلى بنيانها بيتاً من الشمع، واختيارها من جميع الأشكال الشكل المسدس، فلا تبني بيتها مستديراً ولا مربعاً ولا مخمساً، بل مسدساً لخاصية في الشكل المسدس، يقصر فهم المهندس عن درك ذلك. وهو أن أوسع الأشكال وأحواها المستدير وما يقرب منه. فإن المربع تخرج منه زوايا ضائعة. وشكل النحل مستدير مستطيل. فترك المربع حتى لا تبقى الزوايا فارغة. ثم لو بناها مستديرة لبقي خارج البيوت فرج ضائعة، فإن الأشكال المستديرة إذا اجتمعت لم تجتمع متراصة، ولا شكل في الأشكال ذوات الزوايا يقرب في الاحتواء من المستدير. ثم تتراص الجملة منه بحيث لا تبقى بعد اجتماعها فرجة إلا المسدس. وهذه خاصية هذا الشكل. فانظر كيف ألهم الله تعالى النحل، على صغر جرمه، ذلك؛ لطفاً به وعناية بوجوده فيما هو محتاج إليه؛ ليهنأ عيشه. فسبحانه ما أعظم شأنه وأوسع لطفه وامتنانه. وفي طبعه أنه يهرب بعضه من بعض ويقاتل بعضه بعضاً في الخلايا ويلسع من دنا من الخلية. وربما هلك الملسوع. وإذا أهلك شيء منها داخل الخلايا أخرجته الأحياء إلى خارج. وفي طبعه أيضاً النظافة. فلذلك يخرج رجيعه من الخلية؛ لأنه منتن الريح. وهو يعلم زماني الربيع والخريف. والذي يعمله في الربيع أجود