ولكن أَجَل هؤلاء لم يَأْتِ بَعْد ، وفي علم الله تعالى أن هؤلاء الكفار سيؤمنون ، وأن إيمانهم سينفع المسلمين ، وكأن القدر يدّخرهم: إما أنْ يؤمنوا ، وإما أن تؤمنَ ذرياتهم .
وقد آمن عمرو بن العاص ، وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم . ومن هؤلاء الذين نَجَوْا كان خالد بن الوليد سيف الله المسلول .
{فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [النحل: 61] .
أي: إذا جاءت النهاية فلا تُؤخَّر ، وهذا شيء معقول ، ولكن كيف: ولا يستقدمون؟ إذا جاء الأجل كيف لا يستقدِمون؟ المسألة إذن ممتنعة مستحيلة . . كيف إذا جاء الأجل يكون قد أتى قبل ذلك؟ ... هذا لا يستقيم ، لكن يستقيم المعنى تماماً على أن:
{وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [النحل: 61] .
ليست من جواب إذا ، بل تم الجواب عند (ساعة) ، فيكون المعنى: إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ، وإذا لم يجئ لا يستقدمون . والله أعلم .
ثم يقول الحق سبحانه:
{وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ}
قوله تعالى:
{وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ...} [النحل: 62] .
الأليق أن الذي يُخرج لله يجب أن يكون من أطيب ما أعطاه الله ، فإذا أردت أن تتصدقَ تصدَّقْ بأحسن ما عندك ، أو على الأقل من أوسط ما عندك . . لكن أنْ تتصدَّق بأخسِّ الأشياء وأرذلها . . أن تتصدق مما تكرهه ، كالذي يتصدق بخبز غير جيد أو لحم تغيِّر ، أو ملابس مُهَلْهَلة ، فهذا يجعل لله ما يكره .
والحقيقة أن الناس إذا وثِقوا بجزاء الله على ما يعطيه العبد لأَعطَوْا ربهم أفضل ما يُحبون . . لماذا؟ لأن ذلك دليلٌ على حبّك للآخرة ، وأنك من أهلها ، فأنت تعمرها بما تحب ، أما صاحب الدنيا المحبّ لها فيعطي أقل ما عنده ؛ لأن الدنيا في نظره أهمّ من الآخرة .
وبهذا يستطيع الإنسان أنْ يقيسَ نفسه: أهو من أهل الآخرة ، أم من أهل الدنيا بما يعطي لله عز وجل؟
قوله تعالى: