ويُبيِّن الحق سبحانه أن هذه المؤاخذة لو حدثت ستكون بسبب من الناس أنفسهم ، فيقول سبحانه:
{بِظُلْمِهِمْ . .} [النحل: 61] .
أول الظلم أنهم أنكروا الوحدانية ، يقول تعالى: {إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] .
فكأنهم أخذوا من الله تعالى حقّه في الوحدانية ، وأخذوا من الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقالوا كذاب ، وأخذوا من الكتاب فقالوا"سحر مبين".
كل هذا ظلم . .
فالحق تبارك وتعالى لو آخذهم بما أخذوا ، أخذوا شيئاً فأخذ الله شيئاً ، لو عاملهم هذه المعاملة ما ترك على ظهرها من دابة .
لذلك نجد في آيات الدعاء: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] .
أي: أننا أخذنا منك يا ربّ الكثير بما حدث مِنّا من إسراف وتقصير وعمل على غير مقتضى أمرك ، فلا تؤاخذنا بما بدر منا .
فلو آخذ الله الناس بما اقترفوا من ظلم . .
{مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ . .} [النحل: 61] .
قد يقول قائل: الله عز وجل سَيُؤاخذ الناس بظلمهم ، فما ذنب الدابة؟ ماذا فعلت؟ نقول: لأن الدابة خُلِقَتْ من أجلهم ، وسُخِّرتْ لهم ، وهي من نعم الله عليهم ، فليست المسألة إذن نكايةً في الدابة ، بل فيمَنْ ينتفع بها ، وقد يُراد العموم لكل الخلق .
فإذا لم يؤاخذ الله الناس بظلمهم في الدنيا فهل يتركهم هكذا؟ لا بل:
{ولكن يُؤَخِّرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى ...} [النحل: 61] .
هذا الأجل انقضاء دُنيا ، وقيام آخرة ، حتى لو لم يؤمنوا بالآخرة ، فإن الله تعالى يُمهلهم في الدنيا ، كما قال تعالى في آية أخرى:
{وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ} [الطور: 47] .
وقد يكون في هذا الأجل المسمى خير للحق ، فكثير من الصحابة كانوا يدخلون المعارك ، ويُحبون أنْ يقتلوا أهل الكفر فلاناً وفلاناً ، ثم لا يتمكنون من ذلك ولا يصيبونهم ، فيحزنون لذلك .