وقال مكي:"وهذا لا يجوزُ عند البصريين ، كما لا يحوز جعلتُ لي طعاماً ، إنما يجوز: جعلتُ لنفسي طعاماً ، فلو كان لفظُ القرآن"ولأنفسِهم ما يَشْتَهون"جاز ما قال الفراء عند البصريين . وهذا أصلٌ يحتاج إلى تعليلٍ وبَسْطٍ كثير".
قلت: ما أشارَ إليه من المَنْعِ قد عَرفْتَه ولله الحمدُ مما قدَّمْتُه لك .
وقال الشيخ بعد ما حكى أنَّ"ما"في موضعِ نصبٍ عن الفراءِ ومَنْ تبعه:"وقال أبو البقاء - وقد حكاه -: وفيه نظرٌ". قلت: وأبو البقاء لم يجعلِ النظرَ في هذا الوجه ، إنما جعله في تضعيفه بكونِه يؤدِّي إلى تَعَدِّي فِعْلِ المضمر المتصل إلى ضميره المتصل في غيرِ ما اسْتُثْني فإنه قال:"وضَعَّف قومٌ هذا الوجهَ وقالوا: لو كان كذلك لقال: ولأنفسهم ، وفيه نظرٌ"فجعل النظرَ في تضعيفِه لا فيه .
وقد يُقال: وَجْهُ النظرِ الممتنعُ تعدَّي ذلك الفعلِ ، أي: وقوعُه على ما جُرَّ بالحرف نحو:"زيدٌ مَرَّ به"فإن المرورَ واقعٌ بزيد ، وأمَّا ما نحن فيه فليس الجَعْلُ واقعاً بالجاعِلِين ، بل بما يَشْتهون ، وكان الشيخُ يَعْترض دائماً على القاعدةِ المتقدمةِ بقوله تعالى: {وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة} [مريم: 25] {واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ} [القصص: 32] والجوابُ عنهما ما تقدَّم: وهو أنَّ الهَزَّ والضَّمَّ ليسا واقعين بالكاف ، وقد تقدَّم لنا هذا في مكانٍ آخرَ ، وإنما أَعَدْتُه لصعوبتِه وخصوصيةِ هذا بزيادةِ فائدةٍ .
{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) }