وجدنا أن العصبية الإيمانية جعلت الرجل يُضحِّي بأنفَس شيء يضِنُّ به على الغير . . نتصور في هذا الموقف أن يعود الأنصار بفضل ما عندهم من نعم على إخوانهم المهاجرين ، فَمنْ كانت عنده ركوبة أو منزلة مثلاً يقول لأخيه المهاجر: تفضل اركب هذه الركوبة ، أو اجلس في هذا المنزل .. هذا كله أمر طبيعي .
أما نعيم المرأة ، فقد طُبِع في النفس البشرية أن الإنسان لا يحب أن تتعدَّى نعمته فيها إلى غيره . . لكن انظر إلى الإيمان ، ماذا صنع بالنفوس؟ . . فقد كان الأنصاري يقول للمهاجر: انظر لزوجاتي ، أيّهن أعجبتْك أُطلِّقها لتتزوجها أنت ، وما حمله على ذلك ليس عصبية الدم أو عَصبيّة الجنس ، بل عَصبيّة اليقين والإيمان .
ولذلك تنتفي جميع العصبيات في قصة نوح عليه السلام وولده الكافر ، حينما ناداه نوح عليه السلام: {يابني اركب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين * قَالَ سآوي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ المآء قَالَ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ . .} [هود: 42 - 43] .
ويتمسّك نوح بولده ، ويحرص كل الحرص على نجاته فيقول: {رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق . .} [هود: 45] .
فيأتي فَصْل الخطاب في هذه القضية: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إني أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين} [هود: 46] .
إذن: هذا الولد ليس من أهلك ؛ لأن البُنُوة هنا بُنُوة العمل ، لا بُنُوة الدم والنَّسَب .
صحيح أن الإنسان يحب العزة ويطلبها لنفسه ، ولكن يجب أن تنظر كيف تكون العزة الحقيقية؟ وما أسبابها؟