وبين شدة عظم هذا الافتراء بقوله: {وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً إِن كُلُّ مَن فِي السماوات والأرض إِلاَّ آتِي الرحمن عَبْداً} [مريم: 88 - 93] ، وقوله: {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً} [الإسراء: 40] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية {وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ} مبتدأ وخبر وذكر الزمخشري والفراء وغيرهماك أنه يجوز أن تكون"ما"في محل نص عطفاً على"البنات"أي ويجعلون لله البنات ، ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون.
ورد إعرابه بالنصب الزجاج ، وقال: العرب تستعمل في مثل هذا ويجعلون لأنفسهم. قاله القرطبي. وقال أبو حيان"في البحر المحيط". قال الزمخشري: ويجوز في"ما"فيما يشتهون الرفع على الابتداء ، والنصب على أن يكون معطوفاً على"البنات"أي وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون من الذكور. انتهى. وهذا الذي أجازه من النصب تبع فيه الفراء والحوفي وقال أبو البقاء وقد حكاه: وفيه نظر. وذهل هؤلاء عن قاعدة في النحو: وهي أن الفعل الرافع لضمير الاسم المتصل لا يتعدى إلى ضميره المتصل. فلا يجوز: زيد ضربه ، أي زيداً. تريد ضرب نفسه. إلا في باب ظن وأخواتها من الأفعال القلبية ، أو فقد وعدم. فيجوز: زيد ظنه قائماً ، وزيد فقدهن وزيد عدمه. والضمير المجرور بالحرف كالمنصوب المتصل. فلا يجوز: زيد غضب عليه ، تريد غضب على نفسه. فعلى هذا الذي تقرر لا يجوز النصب. إذ يكون التقدير: ويجعلون لهم ما يشتهون. فالواو ضمير مرفوع"ولهم"مجرور باللام. فهو نظير بما يسوء قوله هنا: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى} الآية ، ونظيره قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21] ، ونحو ذلك من الآيات.