روي أن رجلاً قال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما أجد حلاوة الإسلام منذ أسلمت ، وقد كانت لي في الجاهلية بنت وأمرت أمرأتي أن تزينها وأخرجتها فلما انتهيت إلى واد بعيد القعر ألقيتها فقالت يا أبت قتلتني فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء فقال صلى الله عليه وسلم:"ما في الجاهلية فقد هدمه الإسلام وما في الإسلام يهدمه الاستغفار"وكان بعضهم يغرقها ، وبعضهم يذبحها إلى غير ذلك ، ولما كان الكل إماتة تفضي إلى الدفن في التراب قيل: {أَمْ يَدُسُّهُ فِى التراب} وقيل: المراد إخفاؤه عن الناس حتى لا يعرف كالمدسوس في التراب ، وتذكير الضميرين للفظ {مَا} .
وقرأ الجحدري بالتأنيث فيهما عوداً على قوله سبحانه: {بالانثى} أو على معنى {مَا} .
وقرئ بتذكير الأول وتأنيث الثاني ، وقرأ الجحدري أيضاً ، وعيسى {هوان} بفتح الهاء وألف بعد الواو ، وقرئ {أَيُمْسِكُهُ على هُونٍ} بفتح الهاء وإسكان الواو وهو بمعنى الذل أيضاً ، ويكون بمعنى الرفق واللين وليس بمراد ، وقرأ الأعمش {على سُوء} وهي عند أبي حيان تفسير لا قراءة لمخالفتها السواد {أَلاَ سَآء مَا يَحْكُمُونَ} حيث يجعلون لمن تنزه عن الصاحبة والولد ما هذا شأنه عندهم والحال أنهم يتحاشون عنه ويختارون لأنفسهم البنين ، فمدار الخطأ جعلهم ذلك لله تعالى شأنه مع إبائهم إياه لا جعلهم البنين لأنفسهم ولا عدم جعلهم له سبحانه ، وجوز أن يكون مداره التعكيس كقوله تعالى:
{تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى} [النجم: 22] ، وقال ابن عطية: هذا استقباح منه تعالى شأنه لسوء فعلهم وحكمهم في بناتهم بالإمساك على هون أو الوأد مع أن رزق الجميع على الله سبحانه فكأنه قيل: الا ساء ما يحكمون في بناتهم وهو خلاف الظاهر جداً ، وروى الأول عن السدي وعليه الجمهور.
والآية ظاهرة في ذم من يحزن إذا بشر بالأنثى حيث أخبرت أن ذلك فعل الكفرة ، وقد أخرج ابن جرير.