التبشير في عرف اللغة مختص بالخبر الذي يفيد السرور إلا أنه بحسب أصل اللغة عبارة عن الخبر الذي يؤثر في تغير بشرة الوجه ، ومعلوم أن السرور كما يوجب تغير البشرة فكذلك الحزن يوجبه.
فوجب أن يكون لفظة التبشير حقيقة في القسمين ، ويتأكد هذا بقوله
{فبشرهم بعذاب أليم} [آل عمران: 21] ومنهم من قال: المراد بالتبشير ههنا الإخبار ، والقول الأول أدخل في التحقيق.
أما قوله: {ظل وجهه مسوداً} فالمعنى أنه يصير متغيراً تغير مغتم ، ويقال لمن لقي مكروهاً قد اسود وجهه غماً وحزناً ، وأقول إنما جعل اسوداد الوجه كناية عن الغم ، وذلك لأن الإنسان إذا قوي فرحه انشرح صدره وانبسط روح قلبه من داخل القلب ، ووصل إلى الأطراف ، ولا سيما إلى الوجه لما بينهما من التعلق الشديد ، وإذا وصل الروح إلى ظاهر الوجه أشرق الوجه وتلألأ واستنار ، وأما إذا قوي غم الإنسان احتقن الروح في باطن القلب ولم يبق منه أثر قوي في ظاهر الوجه ، فلا جرم يربد الوجه ويصفر ويسود ويظهر فيه أثر الأرضية والكثافة ، فثبت أن من لوازم الفرح استنارة الوجه وإشراقه ، ومن لوازم الغم كمودة الوجه وغبرته وسواده ، فلهذا السبب جعل بياض الوجه إشراقه كناية عن الفرح وغبرته وكمودته وسواده كناية عن الغم والحزن والكراهية ، ولهذا المعنى قال: {ظل وجهه مسوداً وهو كظيم} أي ممتلئ غماً وحزناً.