الحديث فيه دليل على أن جبريل عليه السلام تغيب من خديجة حياءً، وصيانة لخديجة، وإجلالاً لها، وقد سبق أن من صفة الملائكة الحياء، حتى إنهم لا يحضرون العبد عند حاجته، وجِمَاعِهِ.
وليس فيه دليل على وجوب الغض على الملائكة؛ لأن الفتنة
التي تخشى في النظر إلى الأجنبية مأمونة في الملائكة، ومن ثَمَّ حضرت رسل إبراهيم عليه السلام على سارة رضي الله عنها وخلا جبريل بمريم عليهما السَّلام حين تمثل لها بشراً سوياً وهي في عزلتها عن أهلها.
وقيل: كانت تغتسل في شرفتها فتمثل لها.
وليس لأحد من البشر أن يتشبه بالملائكة في مثل ذلك؛ لأن الفتنة في البشر غير مأمونة حتى قال يوسف عليه السلام: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي} [سورة يوسف: 53] .
قال ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا} يعني: جبريل عليه السَّلام {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [سورة مريم: 17] ؛ يعني: معتدلاً شاباً أبيض الوجه، جَعْداً، قططا حين اخضر شاربه، فلما نظرت إليه قائماً بين يديها: {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} [سورة مريم: 18] ؛ يعني: إن كنت تخاف الله. رواه ابن عساكر، وغيره.
قال في"الكشاف": وإنما مثل لها في سورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه، ولو بدا لها في الصورة الملكية لنفرت، ولم تقدر على استماع كلامه.
قال: ودل على عفافها وورعها أنها تعوذت بالله من تلك الصورة الجميلة الفائقة الحسن، وكان تمثله على تلك الصفة ابتلاءً لها، وسبراً لعفتها، انتهى.
وقال القاضي: أتاها جبريل عليه السلام في سورة غلام أمرد سويِّ الخلق لتستأنس بكلامه، ولعله لتهيج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها. انتهى.
ويدل له ما رواه ابن عساكر عن ابن عبَّاس قال: فدنا جبريل، فنفخ في جيبها، فوصلت النفخة جوفها، فاحتملت كما تحمل النساء في الرحم والمشيمة، ووضعته كما تضع النساء.