وفيه دليل على أن عيسى عليه السلام مخلوق من نطفة أمه، وكان بدو جبريل لمريم ونفخه في جيبها بأمر الله تعالى لتظهر هذه الآية العظيمة، والحكمة البالغة، ويظهر أن مريم في أعلى طبقات العفة كما أمر الله تعالى رسل إبراهيم عليهم السلام أن يظهروا لقوم لوط في صور بشر مرد حسان ليكونوا شهداء عليهم بالعزم على الفاحشة، وكانوا أربعة على عدد الشهود الذين يثبت بهم الزنا واللواط.
روى ابن أبي حاتم عن عثمان بن محصن في ضيف إبراهيم قال: كانوا أربعة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ورفائيل.
وروى ابن أبي حاتم أيضاً، عن عبد الرحمن بن بشر الأنصاري رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إِنَّ النَّاسَ كانُوْا أَنْذَرُوْا قَوْمَ لُوْطٍ، فَجاءَتْهُمُ الْمَلائِكَةُ عَشِيَّةً، فَمَرُّوْا بنادِيْهِمْ، فَقالَ قَوْمُ لُوْطٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لا تُنَفِّرُوْهُمْ - وَلَمْ يَرَوْا قَوْماً قَطُّ أَحْسَنَ مِنَ الْمَلائِكَةِ - فَلَمَّا دَخَلُوْا عَلَىْ لُوْطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ رَاوَدُوْهُ عَنْ ضَيْفِهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّىْ عَرَضَ عَلَيْهِمْ بَناتِهِ، فَأَبَوْا، فَقالَتِ الْمَلائِكَةُ {إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} [سورة هود: 81] ، قالَ: رُسُلُ رَبِّيْ؟ قالُوْا: نعَمْ، قالَ لُوْطٌ: فَالآنَ إِذَنْ".
أي: فالآن لا أخاف عليكم من قومي؛ اطمأن عليهم حين علم أنهم ملائكة يمتنعون من قومه.
ولو أن بشراً لهم جمالهم وحسنهم لم يكن لهم أن يخالطوا قوم لوط وهم يعلمون أنهم كانوا يأخذون الغرباء قهراً، وينكحونهم جبراً - كما ذكر عنهم في الأثر - بل ربما جرى من الملائكة ما لا يجوز لأحد من البشر أن يتشبه بهم فيه؛ لأنهم إنما فعلوا
ذلك بأمر من يملك البرية، وهم عباده، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
كما روي: أن ملكين التقيا في السماء - أحدهما صاعد، والآخر هابط - فقال: الهابط للصاعد: أين كنت؟ قال: في الأرض، قال: لماذا بعثت؟ قال: لأسوق حوتا من قرار البحر إلى مدينة كذا ليأكله فلان الكافر، قال: وأنت أين تذهب؟ قال: بعثت لأهريق زيتاً اشتراه فلان العابد بدانق.