قال القاضي أبو محمد: وفي هذا القول تكلف ما ، وقوله {أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء} الآية ، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر"أو لم يروا"بالياء على لفظ الغائب ، وكذلك في العنكبوت ، فهي جارية على قوله: {أو يأخذهم} ، وقوله: {أو يأتيهم} وقوله: {لا يشعرون} ، ورجحها الطبري ، وقرأ حمزة والكسائي"أولم تروا"بالتاء في الموضعين ، وهي قراءة الحسن والأعرج وأبي عبد الرحمن ، وذلك يحتمل من المعنى وجهين أحدهما: أن يكون على معنى قل لهم يا محمد أولم تروا ، والوجه الآخر أن يكون خطاباً عاماً لجميع الخلق ابتدأ به القول آنفاً ، وقرأ عاصم في النحل بالتاء من فوق ، واختلف عنه في العنكبوت ، وقوله {من شيء} لفظ عام في كل ما اقتضته الصفة في قوله {يتفيأ ظلاله} لأن ذلك صفة لما عرض العبرة في جميع الأشخاص التي لها ظل ، والرؤية هنا هي رؤية القلب ، ولكن الاعتبار برؤية القلب إنما تكون في مرئيات بالعين ، وقرأ أبو عمرو وحده"تتفيأ"بالتاء من فوق ، وهي قراءة عيسى ويعقوب ، وقرأ الجمهور"يتفيأ"، قال أبو علي: إذا تقدم الفعل المنسوب إلى مثل هذا الجمع فالتذكير والتأنيث فيه حسنان ، وفاء الظل رجع بعكس ما كان إلى الزوال ، وذلك أن الشمس من وقت طلوعها إلى وقت الزوال إنما هي في نسخ الظل العام قبل طلوعها ، فإذا زالت ابتدأ رجوع الظل العام ، ولا يزال ينمو حتى تغيب الشمس ، فيعم ، والظل الممدود في الجنة لم يذكر الله فيئه لأنه لم يرجع بعد أن ذهب ، وكذلك قول حميد بن ثور:
فلا الظل من برد الضحى تستطيعه... ولا الفيء من برد العشي تذوق
فهو على المهيع ، وكذلك قول علقمة بن عبدة: [الطويل]
تَتَبع أفياء الظلال عشية... على طرق كأنهن سيوف
وكذلك قول امرئ القيس:
يفيء عليها الظل... وأما النابغة الجعدي فقال: [الخفيف]
فسلام الإله يغدو عليهم... وفيء الفردوس ذات الظلال