أي: إذا غابتْ عنكم هذه القضية ، قضية إرسال الرسل من البشر ولا أظنها تغيب لأنها عامة في الرسالات كلها . وما كانت لتخفَى عليكم خصوصاً وعندكم أهل العلم بالأديان السابقة ، مثل ورقة بن نوفل وغيره ، وعندكم أهل السِّيَر والتاريخ ، وعندكم اليهود والنصارى . . فاسألوا هؤلاء جميعاً عن بشرية الرسل .
فهذه قضية واضحة لا تُنكر ، ولا يمكن المخالفة فيها . . وماذا سيقول اليهود والنصارى؟ . . موسى وعيسى . . إذنْ بشر .
وقوله تعالى:
{إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] .
يوحي بأنهم يعلمون ، وليس لديهم شَكٌّ في هذه القضية . . مثل لو قلتَ لمخاطبك: اسأل عن كذا إنْ كنت لا تعرف . . هذا يعني أنه يعرف ، أما إذا كان في القضية شَكٌّ فنقول: اسأل عن كذا دون أداة الشرط . . إذن: هم يعرفون ، ولكنه الجدال والعناد والاستكبار عن قبول الحق .
{بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) }
استهل الحق سبحانه الآية بقوله:
{بالبينات والزبر ...} [النحل: 44] .
ويقول أهل اللغة: إن الجار والمجرور لا بُدَّ له من متعلق . . فبماذا يتعلق الجار والمجرور هنا؟ قالوا: يجوز أنْ يتعلّق بالفعل (نُوحِي) ويكون السياق: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نُوحِي إليهم بالبينات والزبر .
وقد يتعلق الجار والمجرور بأهل الذكر . . فيكون المعنى: فاسألوا أهل الذكر بالبينات والزبر ، فهذان وجهان لعودة الجار والمجرور .
والبينات: هي الأمر البيِّن الواضح الذي لا يشكُّ فيه أحد . . وهو إما أن يكون أمارة ثُبوت صِدْق الرسالة كالمعجزة التي تتحدى المكذِّبين أنْ يأتوا بمثلها . . أو: هي الآيات الكونية التي تلفِتُ الخَلْق إلى وجود الخالق سبحانه وتعالى ، مثل آيات الليل والنهارَ والشمس والقمر والنجوم .