ثم أشهد على المشركين بشواهد الأمم الماضية وأقبل عليهم بالخطاب توبيخاً لهم لأن التوبيخ يناسبه الخطاب لكونه أوقع في نفس الموبّخ ، فاحتجّ عليهم بقوله: فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون الخ.
فهذا احتجاج بأهل الأديان السابقين أهل الكتُب اليهود والنصارى والصابئة.
و {الذّكر} : كتاب الشريعة.
وقد تقدم عند قوله تعالى: {وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر} في أول سورة الحِجر (6) .
وفي قوله تعالى: إن كنتم لا تعلمون إيماء إلى أنهم يعلمون ذلك ولكنهم قصدوا المكابرة والتمويه لتضليل الدهماء ، فلذلك جيء في الشرط بحرف {إن} التي ترد في الشرط المظنون عدم وجوده.
وجملة {فسألوا أهل الذكر} معترضة بين جملة {وما أرسلنا} وبين قوله تعالى: {بالبينات والزبر} .
والجملة المعترضة تقترن بالفاء إذا كان معنى الجملة مفرّعاً على ما قبله ، وقد جعلها في"الكشاف"معترضة على اعتبار وجوه ذكرها في متعلّق قوله تعالى: {بالبينات} .
ونقل عنه في سورة الإنسان (29) عند قوله تعالى: {إن هذه تذكرة فمن شاء اتّخذ إلى ربه سبيلا} أنه لا تقترن الجملة المعترضة بالفاء.
وتردد صاحب الكشاف في صحة ذلك عنه لمخالفته كلامه في آية سورة النحل.
وقوله {بالبينات} متعلّق بمستقر صفةً أو حالاً من {رجالاً} .
وفي تعلّقه وجوه أخر ذكرها في"الكشاف"، والباء للمصاحبة ، أي مصحوبين بالبينات والزبر ، فالبينات دلائل الصّدق من معجزات أو أدلّة عقلية.
وقد اجتمع ذلك في القرآن وافترق بين الرسل الأوّلين كما تفرّق منه كثير لرسولنا صلى الله عليه وسلم
و {الزُّبُر} : جمع زبور وهو مشتقّ من الزبرْ أي الكتابة ، ففعول بمعنى مفعول.
{والزبر} الكتب التي كتب فيها ما أوحي إلى الرسل مثل صحف إبراهيم والتوراة وما كتبه الحواريون من الوحي إلى عيسى عليه السلام وإن لم يكتبه عيسى.