(1) لا جرم: هنا بمعنى حقا وهو بمنزلة اليمين وروى بعض المفسرين عن الخليل أنها كلمة تحقيق لا تكون إلا جوابا لقول.
والآيات متصلة بسابقاتها سياقا وموضوعا أيضا، وفيها تقرير لوحدة الله وشمول علمه وإحاطته بما يسرّه الناس ويعلنونه على السواء وتنديد بالمشركين الذين يشركون مع الله من هم من مخلوقاته ولا يستطيعون خلق شيء وليس عندهم علم بشيء وهم أموات لا حسّ فيهم ولا حياة. وفيها تقرير بكون السبب الذي يجعل المشركين يقفون موقف الإنكار والاستكبار هو عدم يقينهم وإيمانهم بالبعث والجزاء الأخرويين. والله يعلم هذا فيهم لأنه يعلم ما يسرّون وما يعلنون وأنهم استحقوا غضب الله لأنه لا يحب المستكبرين.
والمتبادر أن الوصف الذي وصفته الآية [21] لمن يدعوهم المشركون من دون الله مقصود به الأوثان. ولقد كان الشركاء الذين يتخذهم العرب من دون الله هم الملائكة على الأعمّ الأغلب على ما دلّت عليه آيات كثيرة مرّت أمثلة عديدة منها. غير أنهم كانوا إلى هذا يتخذون أوثانا متنوعة أيضا يقيمون عندها طقوسهم ويقربون قرابينهم على ما مرت إليه إشارات عديدة في سور سابقة. فالوصف قد عنى هنا هذه الأوثان التي كانت على الأرجح رموزا للملائكة على ما شرحناه في سياق سورة النجم.
ولقد علقنا على موضوع عدم إيمان الكفار بالآخرة وعدم خوفهم منها في سياق سورة المدثر فلا نرى ضرورة للإعادة بمناسبة ما جاء في الآية [22] من ذلك إلّا التنبيه إلى ما تضمنته العبارة القرآنية هنا من تعليل لتناقض الكفار المشركين الذين كانوا يؤمنون بوجود الله وكونه الخالق الرازق النافع الضار وحده حيث كان عدم إيمانهم بالآخرة هو الذي يحملهم على الجحود برسالة النبي والقرآن واستكبارهم عنهما.
هذا، ولقد أورد البغوي في سياق هذه الآية حديثا رواه بطرقه عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء فيه: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرّة من إيمان. فقال رجل يا رسول الله إن الرجل يحبّ أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا قال إنّ الله جميل يحبّ الجمال، الكبر بطر الحقّ وغمط الناس» وهذا الحديث مما رواه مسلم والترمذي عن عبد الله بن مسعود أيضا.