[النحل: 79] وأقول: إنما جمع لأن كلاً من تسخيراً الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم آية في نفسها لتباين الليل والنهار وتخالف مسيرات الكواكب كما هو مقرر في علم الهيئة بخلاف قوله {ينبت لكم} فإن مطلق الإنبات آية واحدة. وكذا قوله: {وما ذرأ لكم في الأرض} أي خلق لكم فيها من حيوان وشجر وثمر وغير ذلك: {مختلفاً ألوانه} فإن ذرء هذه الأشياء على حالة اختلاف الألوان والأشكال مع تساوي الكل في الطبيعة الجسمية وفي تأثير الفلكيات فيها ، آية واحدة على وجود الصانع تعالى شأنه ، ولست أدعي إلا إمكان هذه الاعتبارات وإلا: ففي كل شيء آية تدل على أنه واحد. وإنما خص المقام الأول بالتفكر لإمكان إيراد الشبهة المذكورة ، وخص المقام الثاني بالعقل لذكره بعد إماطة الشبهة وإزاحة العلة ، فمن لم يعترف بعدها بالوحدانية فلا عقل له. وخص المقام الثالث بالتذكر لمزيد الدلالة فمن شك بعد ذلك فلا حس له. ومن جملة الآيات التي هي في الحقيقة إنعامات على الإنسان تسخير البحر بالركوب عليه والانتفاع به أكلاً ولبساً. والمراد باللحم الطريّ السمك. قال ابن الأعرابي: لحم طريّ غير مهموز ومصدره طراوة. يقال: شيء طريّ أي غض بين الطراوة. وقال قطرب: طرو اللحم وطري طراوة والمراد في الآية السمك وما في معناه. قال في الكشاف: وصفه بالطراوة لأن الفساد يسرع إليه فيسارع إلى أكله خيفة الفساد عليه. وقال المتكلمون: إنه لما خرج من البحر المالح الزعاق الحيوان الذي لحمه في غاية العذوبة ، علم أنه لم يحدث بحسب الطبع بل حدث بقدرة الله تعالى وحكمته بحيث أظهر الضد من الضد. قال أكثر الفقهاء ومنهم أبو حنيفة والشافعي: من حلف أن لا يأكل لحماً فأكل سمكاً لم يحنث لأن اللحم لا يتناوله عرفاً. ومبنى الأيمان على العرف والعادة. ولهذا لو قال لغلامه: اشتر لحماً فجاء بالسمك كان حقيقاً بالإنكار عيله. ورد عليهم الإمام فخر الدين الرازي بأنه إذا قال