ثم نبّه على كثرة نعمه وإحسانه فقال: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها أي لا تضبطوا عددها، ولا تبلغه طاقتكم، فضلا أن تستطيعوا القيام بحقها من أداء الشكر، وإنّما أتبع ذلك ما عدّد من نعمه تنبيها على أن ما وراءها لا ينحصر ولا يعدّ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ أي يتجاوز عنكم، ولو طالبكم بشكر جميع نعمه لعجزتم عن القيام بذلك، ولو أمركم به لضعفتم وتركتم، ولو عذّبكم لعذّبكم وهو غير ظالم لكم، ولكنّه غفور رحيم، يغفر الكثير، ويجازي على اليسير، قال ابن جرير في ذلك: إن الله لغفور لما كان منكم من تقصير في شكر بعض ذلك إذا تبتم وأنبتم إلى طاعته واتباع مرضاته، رحيم بكم لا يعذبكم بعد الإنابة والتوبة، وهكذا قررت الآيات وحدانية الله من خلال تقرير أنه الخالق وحده، وأنّه هو الذي سخّر كل شيء لصالح الإنسان، فقامت الحجة على وجوده بذلك، وعلى استحقاقه وحده العبادة شكرا له.
كلمة في السياق: [حول معاني المقطع ومدى صلته بمحور السورة]
(بدأت السورة بتقرير أن يوم القيامة آت، ونزّهت الله عن الشرك، وبيّنت أن الرسل بعثوا بالتوحيد. ثم ذكرت بعض ما خلق الله، وعدّدت نعمه، وفي ذلك برهان على التوحيد، ومن ثم برهان على اليوم الآخر، وهكذا وضعت هذه الآيات الأساس الأول في فهم قضية التوحيد التي تبنى عليها طاعة الله في كل ما أمر، والتي هي الأساس لفهم قضية اليوم الآخر المؤيد الأول لهذا التوحيد في مدلوله الواسع الذي منه الدخول في الإسلام كله، وترك اتباع خطوات الشيطان، إن الآيات التي مرّت معنا أفهمتنا أن الله سيقيم القيامة، والذي فعل هذا كله حري أن يطاع في كل أمر، وأن يتبع دينه كله شكرا له، فلنتذكر أن الآية التي هي محور سورة النّحل قالت: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ