والآية تدل على ان يعقوب لما سمع ما قصه عليه يوسف من الرؤيا ايقن بما يدل عليه ان يوسف (عليه السلام) سيتولى الله أمره ويرفع قدره ، يسنده على اريكة الملك وعرش العزة ، ويخصه من بين آل يعقوب بمزيد الكرامة فاشفق على يوسف (عليه السلام) وخاف من اخوته عليه وهم عصبة اقوياء ان لو سمعوا الرؤيا - وهي ظاهرة الانطباق على يعقوب (عليه السلام) وزوجه واحد عشر من ولده غير يوسف ، وظاهره الدلالة على انهم جميعا سيخضعون ويسجدون ليوسف - حملهم الكبر والانفة ان يحسدوه فيكيدوا له كيدا ليحولوا بينه وبين ما تبشره به رؤياه .
ولذلك خاطب يوسف (عليه السلام) خطاب الاشفاق كما يدل عليه قوله:"يا بنى بلفظ التصغير ، ونهاه عن اقتصاص رؤياه على اخوته قبل ان يعبرها له وينبئه بما تدل عليه رؤياه من الكرامة الإلهية المقضية في حقه ، ولم يقدم النهي على البشارة الألفرط حبه له وشدة اهتمامه به واعتنائه بشأنه ، وما كان يتفرس من اخوته انهم يحسدونه وانهم امتلئوا منه بغضا وحنقا ."
والدليل على بلوغ حسدهم وظهور حنقهم وبغضهم قوله:"لا تقصص رؤياك على اخوتك فيكيدوا لك كيدا"فلم يقل انى اخاف ان يكيدوا ، أو لا آمنهم عليك بتفريع الخوف من كيدهم أو عدم الأمن من جهتهم بل فرع على اقتصاص الرؤيا نفس كيدهم واكد تحقق الكيد منهم بالمصدر - المفعول المطلق - إذ قال:"فيكيدوا لك كيدا"
ثم اكد ذلك بقوله ثانيا في مقام التعليل:"ان الشيطان للإنسان عدو مبين"أي ان لكيدهم سببا آخر منفصلا يؤيد ما عندهم من السبب الذي هو الحسد ويثيره ويهيجه ليؤثر اثره السئ وهو الشيطان الذي هو عدو للإنسان مبين لا خلة بينه وبينه أبدا يحمل الإنسان بوسوسته وتسويله على ان يخرج من صراط الاستقامة والسعادة إلى سبيل عوج فيه شقاء دنياه وآخرته فيفسد ما بين الوالد وولده وينزع بين الشقيق وشقيقه ويفرق بين الصديق وصديقه ليضلهم عن الصراط .