فكأن المعنى: قال يعقوب ليوسف (عليه السلام) : يا بنى لا تقصص رؤياك على اخوتك فانهم يحسدونك ويغتاظون من أمرك فيكيدونك عندئذ بنزغ واغراء من الشيطان وقد تمكن من قلوبهم ولا يدعهم يعرضوا عن كيدك فان الشيطان للإنسان عدو مبين .
قوله تعالى:"وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الاحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب"إلى آخر الآية الاجتباء من الجباية وهي الجمع يقال: جبيت الماء في الحوض إذا جمعته فيه ومنه جبايه الخراج أي جمعه قال تعالى:"يجبي إليه ثمرات كل شيء"القصص: 57 ففى معنى الاجتباء جمع اجزاء الشيء وحفظها من التفرق والتشتت ، وفيه سلوك وحركة من الجابى نحو المجبى فاجتباه الله سبحانه عبدا من عباده هو ان يقصده برحمته ويخصه بمزيد كرامته فيجمع شمله ويحفظه من التفرق في السبل المتفرقة الشيطانية المفرقة للإنسان ويركبه صراطه المستقيم وهو ان يتولى أمره ويخصه بنفسه فلا يكون لغيره فيه نصيب كما أخبر تعالى بذلك في يوسف (عليه السلام) إذ قال:"انه من عبادنا المخلصين"الآية 24 من السورة .
وقوله:"ويعلمك من تأويل الاحاديث التأويل"هو ما ينتهى إليه الرؤيا من الأمر الذي تتعقبه ، وهو الحقيقة التي تتمثل لصاحب الرؤيا في رؤياه بصورة من الصور المناسبة لمداركه ومشاعره كما تمثل سجدة ابوي يوسف واخوته الاحد عشر في صورة أحد عشر كوكبا والشمس والقمر وخرورها امامه ساجدة له ، وقد تقدم استيفاء البحث عن معنى التأويل في تفسير قوله تعالى:"فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله"الآية آل عمران: 7 في الجزء الثالث من الكتاب .
والاحاديث جمع الحديث وربما أريد به الرؤي لأنها من حديث النفس فان نفس
الإنسان تصور له الأمور في المنام كما يصور المحدث لسماعه الأمور في اليقظة فالرؤيا حديث مثله ومنه يظهر ما في قول بعضهم ان الرؤي سميت احاديث باعتبار حكايتها والتحديث بها وهو كما ترى .