{إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً ...} [يوسف: 2] .
وفي الآية السابقة قال: {تِلْكَ آيَاتُ الكتاب ...} [يوسف: 1] .
فمرَّة يَصِفه بأنه قرآن بمعنى المقروء ، ومرَّة يَصِفه بأنه كتاب ؛ لأنه مسطور ، وهذه من معجزات التسمية .
ونحن نعلم أن القرآن حين جُمِع ليكتب ؛ كان كاتب القرآن لا يكتب إلا ما يجده مكتوباً ، ويشهد عليه اثنان من الحافظين .
ونحن نعلم أن الصدور قد تختلف بالأهواء ، أما السطور فمُثْبتة لا لَبْسَ فيها .
وهو قرآن عربي ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سيجاهر بالدعوة في أمة عربية ، وكان لابد من وجود معجزة تدل على صدق بلاغه عن الله ، وأن تكون مِمَّا نبغ فيه العرب ؛ لأن المعجزة مشروطة بالتحدي ، ولا يمكن أن يتحداهم في أمر لا ريادة لهم فيه ولا لهم به صلة ؛ حتى لا يقولن أحد: نحن لم نتعلم هذا ؛ ولو تعلمناه لجئنا بأفضل منه .
وكان العرب أهل بيان وأدب ونبوغ في الفصاحة والشعر ، وكانوا يجتمعون في الأسواق ، وتتفاخر كل قبيلة بشعرائها وخطبائها المُفوَّهين ، وكانت المباريات الآدائية تُقَام ، وكانت التحديات تجرى في هذا المجال ، ويُنصَب لها الحكام .
أي: أن الدُّرْبَة على اللغة كانت صناعة متواترة ومتواردة ، محكوم عليها من الناس في الأسواق ، فهم أمة بيان وبلاغة وفصاحة .
لذلك شاء الحق سبحانه أن يكون القرآن معجزة من جنس ما نبغ فيه العرب ، وهم أول قوم نزل فيهم القرآن ، وحين يؤمن هؤلاء لن يكون التحدي بفصاحة الألفاظ ونسق الكلام ، بل بالمبادئ التي تطغى على مبادئ الفرس والروم .
وهي مبادئ قد نزلت في أمة مبتدِّية ليس لها قانون يجمعها ، ولا وطن يضمهم يكون الولاء له ، بل كل قبيلة لها قانون ، وكلهم بَدْو يرحلون من مكان إلى مكان .