أما الآيات المُتَشابهات إنما جاءت متشابهة لاختلاف الإدراك من إنسان لآخر ، ومن مرحلة عُمرية لأخرى ، ومن مجتمع لآخر ، والإدراكات لها وسائل يتشابه فيها الناس ، مثل: العين ، والأذن ، والأنف ، واللسان ، واليد .
ووسائل الإدراك هذه ؛ لها قوانين تحكمها:
فعيْنُك يحكمها قانون إبصارك ، الذي يمتد إلى أن تلتقي خطوط الأشعة عند بؤرة تمتنع رؤيتُك عندها ؛ ولذلك تصغُر الأشياء تدريجياً كلما ابتعدت عنها إلى أن تتلاشى من حدود رؤيتك .
وصوتُك له قانون ؛ تحكمه ذبذبات الهواء التي تصل إلى أدوات السمع داخل أذنك .
وكذلك الشَّمُّ له حدود ؛ لأنك لا تستطيع شَمَّ وردة موجودة في بلد بعيدة .
وكذلك العقل البشري له حدود يُدرك بها ، وقد علم الله كيف يدرك الإنسان الأمور ، فلم يمنع تأمل وردة جميلة ، لكنه أمر بغضِّ البصر عند رؤية أي امرأة .
وهكذا يُحدِّد لكَ الحق الحلال الذي تراه ، ويُحدِّد لك الحرام الذي يجب أن تمتنع عن رؤيته .
وكذلك في العقل ؛ قد يفهم أمراً وقد لا يفهم أمراً آخر ، وعدم فَهْمك لذلك الأمر هو لَوْن من الفهم أيضاً ، وإنْ تساءلتَ كيف؟
انظر إلى موقف تلميذ في الإعدادية ؛ وجاء له أستاذه بتمرين هندسي مما يدرسه طلبة الجامعة ؛ هنا سيقول التلميذ الذكي لأستاذه: نحن لم نأخذ الأسس اللازمة لحلِّ مثل هذا التمرين الهندسي ، هذا القول يعني أن التلميذ قد فهم حدوده .
وهكذا يعلمنا الله الأدب في استخدام وسائل الإدراك ؛ فهناك أمر لك أن تفهمه ؛ وهناك أمر تسمعه من ربك وتطيعه ، وليس لك أن تفهمه قبل تنفيذه ؛ لأنه فوق مستوى إدراكك .
ودائما أقول هذا المثل ولله المثل الأعلى إنك حين تنزل في فندق كبير ، تجد أن لكل غرفة مفتاحاً خاصاً بها ، لا يفتح أي غرفة أخرى ، وفي كل دَوْر من أدوار الفندق يوجد مفتاح يصلح لفتْح كل الأدوار ، ولا يفهم هذا الأمر إلا المتخصص في تصميم مثل تلك المفاتيح .