موضع يقتضي الأول وقوع ما بعده بالفاء، وكل موضع تقدم {أَوَلَمْ يَسِيرُوا} فإنه في المواضع التي لا تقتضي الدعاء إلى السير والبعث على الاعتبار فيكون ذاك مؤديا إليه، وإنما يكون بالواو عطف جملة على جملة، وإن كانت الثانية أجنبية من الأولى فقوله في سورة يوسف: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا} قبله {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى} معناه: كان الرسل من القرى التي بعثوا إليها، فلما طغوا نزل بهم من العذاب ما بقي أثره في ديارهم من الخسف والانقلاب، فصار معنى قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى} أي: لم يكونوا إلا رجالا أرسلوا إليهم فخالفوهم، فاعتبروا أنتم بآثارهم ومشاهدة ديارهم لتجتنبوا ما يجلب عليكم مثل حالهم، وكذلك قوله تعالى في سورة الحج: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} هو بعد قوله: {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} فكأنه قال: إذا كان كذا فسيروا في الأرض واعتبروا فأما قوله في الروم: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ} فإنه لم يتقدمه ما يصير هذا كالجواب عنه، إذ لم يجر ذكر حال أمة من الأمم خالفت نبيها فعوقبت على فعلها، بل الآية التي قبلها قوله: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} فكان الموضع موضع الواو، وهذا مع أنه معطوف على قوله: