القرآن: «وما أرسلنا من قبلك» ، ولم يجئ بحذف «من» إلا في موضعين أحدهما هذا والآخر {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} فأما الأول فإنه حذفت منه «من» بناء على الآية المتقدمة وهي: {مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} فلما كان الزمان الذي تقدمهم هو الزمان الذي تقدم النبي صلّى الله عليه وسلم المذكور في قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ} وكانت قبل إذا عريت من «من» موضوعة للزمان المتقدم كله صار بناؤه على «قبل» مذكورا كالتوكيد الواقع بمن في سائر المواضع فأما قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} فإنما لم يؤكد بمن لأن المعتمد بالخبر إنما هو الحال التي للمرسلين، وهي أنهم يأكلون الطعام، وليسوا من الملائكة الذين طلب الكفار أن يبعثوا إليهم، وأخبر الله تعالى به عنهم في قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنَا} فإن قال فقد جاء قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} والقصد ذكر حال الرسول والنبي، وهو المعتمد بالخبر فأكد مع ذلك «قبلك» بمن قلت: القصد ب «من» في هذا الموضع توكيد ذكر الرسول وذكر حاله، ألا تراه قال: {مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ} فجمعهما في نفي ما نفى عنهما إلا ما أثبته لهما بعد قوله: {إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} فلما كان المكانان معتمدين بالخبر صح التوكيد، وكان المقصود.
الآية الثالثة من سورة يوسف