{وَلِذَلِكَ} ؛ أي: ولمشيئته تعالى فيهم الاختلافَ والتفرقَ في علومهم، ومعارفهم، وآرائهم، وما يتبع ذلك من الإرادة والاختيار في الأعمال {خَلَقَهُمْ} ؛ أي: خَلَقَ الناسَ كافَّةً، وبهذا كانوا خلفاء في الأرض، ومن ذلك اختلافهم في الدين والإيمان, والطاعة والعصيان، وبذا كانوا مَظْهرًا لأسرار خلقه الروحية، والجسدية، أو المادية، والمعنوية، فإنه جعل مصيرَ أهل الباطل إلى النار، ومصيرَ أهل الحق إلى الجنَّة. وقال ابن عباس: خَلَقهم في فَرِيقَيْنِ فريق يرحم فلا يختلف، وفريق لا يرحم فيختلفُ، فذلك قوله: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} .
والخلاصة: أن الناس فريقان: فريق اتفقوا في الدين، فجعلوا كتابَ الله حَكَمًا بينهم فيما اختلفوا فيه، فاجتمعت كلمتهم، وكانت أمة وَاحِدَةً فرحمهم الله تعالى، ووقاهم شرَّ الاختلاف في الدنيا، وعذابَ الآخرة. وفريق اختلفوا في الدين كما اختلفوا في منافع الدنيا، فكان بأسهم بَيْنَهم شديدًا، فذاقوا عقابَ الاختلاف في الدنيا، وأعقبه جزاؤهم في الآخرة، فحُرموا من رحمة الله بظلمهم لأنفسهم لا بظلم منه تعالى لهم.
فَإِنْ قُلْتَ: يعارض ما هنا أعني قوله: {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} ، قولَه تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } .
قلت: لا معارضة بَينَهما, لأنَّ ما هنا خَلَقهم ليصير أمرهم إلى الاختلاف، وقوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ} معناه: ما خلقتهم إلا للأمر بالعبادة، وبهذا يزول الإشكال، تأمل.