ومنها أَن الاستثناء بالنسبة إِلى الوقت الذي ينقلون فيه من نعيم الجنة إِلى ما هو أعلى منه، من الفوز برضوان الله الذي هو أكبر من الجنة، كما قال تعالى: {وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ} . ولهم أيضا ما يتفضل الله به عليهم سوى ثواب الجنة مما لا يعرف كنهه، قال الزمخشرى: والدليل على هذا قوله تعالى: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} .
ومما قيل في تأويلها: إن الاستثناء بالنسبة إِلى عصاة المؤمنين، فإنهم يغيبون عن الجنة في الوقت الذي يعاقبون فيه على معاصيهم، ثم يؤمر بدخولهم الجنة، فلذا قيل في حقهم {إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} : أَي إلا من شاء ربك من عصاة المؤْمنين، فإن دخولهم فيها ينقطع عند أول دخول الصالحين إِياها حتى يعاقبوا على معاصيهم، فإنهم سيدخلونها ويلحقون من دخلها قبلهم من الصالحين، وقد وصفوا بالسعادة باعتبار ما آل إليه أَمرهم وفيما يلي بيان معنى الآية على ما نرى.
وأَما الذين أنعمَ عليهم بالسعادة من الله بأن وفقوا للإِيمان والعمل الصالح لصفاء فطرتهم فهؤلاء في الجنة يستقرون، خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض، لا يبرحونها أبدًا، إلا الوقت الذي يشاءُ الله فيه أَن ينعموا بثواب أعظم، حيث يتجلى عليهم برضوانه، الذي هو أكبر من الجنة، وأَعظم منها شأنا.
وهناك أيضا ينظرون اليه جل وعلا كما قال في سورة القيامة: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} . وحيث ينعم الله عليهم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولا يعلم كنهه سواه، يعطيهم الله هذه النعم دائما، عطاء غير مجذوذ عنهم ولا هم عنه ينصرفون.
{فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (109) }
المفردات:
{فِي مِرْيَةٍ} : في شك. {نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ} : جزاءهم كاملا.
التفسير