(الرَّابِعُ) وَعْظُهُمْ بِأَنَّهُمْ إِنْ تَابُوا مِنْ شِرْكِهِمْ وَمَا يُغْرِيهِمْ بِهِ مِنْ عَدَاوَةِ الْمُؤْمِنِينَ
وَقِتَالِهِمْ وَالْغَدْرِ بِهِمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُمْ ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يُعْجِزُوا اللهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ يُعْجِزُوهُ هَرَبًا مِنْهَا ، وَقَدْ وَعَدَ بِنَصْرِ رَسُولِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَكْثُرَ أَتْبَاعُهُ وَيُبَايِعَهُ أَنْصَارُهُ ، وَأَنْجَزَ لَهُ وَعْدَهُ فِي جُمْلَةِ غَزَوَاتِهِ مَعَهُمْ ، وَسَبَبُ هَذَا الْوَعْظِ أَنَّ الْإِيمَانَ أَمْرٌ اخْتِيَارِيٌّ طَرِيقُهُ الْمُوَصِّلُ إِلَيْهِ الدَّعْوَةُ وَدَلَائِلُ الْإِقْنَاعِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ (فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) إِلَخْ . وَفِيهَا مِنَ الْإِخْبَارِ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ مَا صَدَّقَهُ الْوَاقِعُ .
(الْخَامِسُ) اسْتِثْنَاءُ بَعْضِ الْمُشْرِكِينَ مَنْ نَبْذِ عَهْدِهِمْ ، وَهُمُ الَّذِينَ عَاهَدَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَلَمْ يَنْقُصُوهُمْ مِنْ شُرُوطِ الْعَهْدِ وَمَوَادِّهِ شَيْئًا ، وَلَمْ يُظَاهِرُوا وَيُعَاوِنُوا عَلَيْهِمْ أَحَدًا مِنْ أَعْدَائِهِمُ الْمُشْرِكِينَ وَلَا أَهْلِ الْكِتَابِ ، كَمَا نَقَضَ أَهْلُ مَكَّةَ الْعَهْدَ ، بِمُظَاهَرَةِ أَحْلَافِهِمْ بَنِي بَكْرٍ عَلَى أَحْلَافِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَنِي خُزَاعَةَ . وَالْأَمْرُ بِإِتْمَامِ عَهْدِهِمْ إِلَى نِهَايَةِ مُدَّتِهِ ، وَتَعْلِيلُهُ بِأَنَّهُ مِنَ التَّقْوَى الَّتِي يُحِبُّهَا اللهُ تَعَالَى ، وَهَذَا نَصُّ الْآيَةِ الرَّابِعَةِ بِشَرْطِ أَنْ يَظَلُّوا مُسْتَقِيمِينَ عَلَيْهِ كَمَا بَيَّنَهُ فِي الْآيَةِ السَّابِعَةِ .