وَأَمَّا اصْطِفَاؤُهُ تَعَالَى لِبَنِي هَاشِمٍ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَدْ كَانَ بِمَا امْتَازُوا بِهِ مِنَ الْفَضَائِلِ وَالْمَكَارِمِ ، فَقَدْ كَانَ جَدُّهُمْ هَاشِمٌ هُوَ صَاحِبَ إِيلَافِ قُرَيْشٍ الَّذِي أَخَذَ لَهُمُ الْعَهْدَ مِنْ قَيْصَرِ الرُّومِ عَلَى حِمَايَتِهِمْ فِي رِحْلَةِ الصَّيْفِ إِلَى الشَّامِ ، وَمِنْ حُكُومَةِ الْيَمَنِ فِي رِحْلَةِ الشِّتَاءِ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ هَشَمَ الثَّرِيدَ لِلْفُقَرَاءِ مِنْ قَوْمِهِ وَلِأَهْلِ مَوْسِمِ الْحَجِّ كَافَّةً ، وَقَدْ أَرْبَى عَلَيْهِ فِي السَّخَاءِ وَالْكَرَمِ وَلَدُهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ، وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ بَنِي هَاشِمٍ كَانُوا أَكْرَمَ قُرَيْشٍ أَخْلَاقًا وَأَبْعَدَهُمْ عَنِ الْكِبْرِ وَالْأَثَرَةِ ، وَلَا يُنَازِعُهُمْ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ أَبُو جَهْلٍ فِي حَسَدِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى كَوْنِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ: تَنَازَعْنَا نَحْنُ وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ الشَّرَفَ: أَطْعَمُوا فَأَطْعَمْنَا ، وَحَمَلُوا فَحَمَلْنَا ، وَأَعْطَوْا فَأَعْطَيْنَا ... حَتَّى إِذَا زَاحَمْنَاهُمْ بِالْمَنَاكِبِ قَالُوا: مِنَّا نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنَ السَّمَاءِ . فَمَتَى نُدْرِكُ هَذِهِ ؟ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ النُّبُوَّةَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ بِالِاجْتِهَادِ وَالْمُبَارَاةِ الْكَسْبِيَّةِ فِي الْفَضَائِلِ ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَارِضَهُ أَحَدٌ فِي بَلَاغَتِهِ وَلَا هِدَايَتِهِ ; لِأَنَّهُ مِنَ اللهِ لَا مِنْ عِلْمِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفَصَاحَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَعَارَضَهُ مَنْ كَانُوا أَشْهَرَ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ مُحَمَّدٌ مِنْهُمْ .