إِنَّ مَعْنَى هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ لَا يَظْهَرُ إِلَّا فِي دَعْوَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْإِسْلَامِ بِمَكَّةَ
فِي أَوَّلِ زَمَنِ الْبَعْثَةِ . وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ السُّورَةِ قَبْلَ الْبَدْءِ بِتَفْسِيرِهَا أَنَّ ابْنَ أَبِي الْفَرَسِ قَالَ: إِنَّهُمَا مَكِّيَّتَانِ ، وَأَنَّهُ يَرُدُّ قَوْلَهُ مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّهُمَا آخِرُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ ، ثُمَّ ذَكَرْتُ هُنَالِكَ أَصَحَّ مَا وَرَدَ فِي آخِرِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ وَهُوَ غَيْرُ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ .
وَأَقُولُ الْآنَ: إِنَّ قَوْلَ ابْنِ أَبِي الْفَرَسِ هُوَ الْوَجِيهُ مِنْ جَانِبِ الْمَعْنَى ، فَهُوَ يُؤَيِّدُ الرِّوَايَةَ وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُمَا آخِرُ مَا نَزَلَ فَقَدْ أُخْرِجَ فِي بَعْضِ الْمَسَانِيدِ وَالتَّفَاسِيرِ الْمَأْثُورَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ (مِنْهَا) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ: أَنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي لَفْظٍ أَنَّ آخِرَ مَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) إِلَخِ الْآيَةَ (وَمِنْهَا) عَنِ الْحَسَنِ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ أَحْدَثَ الْقُرْآنِ عَهْدًا بِاللهِ - وَفِي لَفْظٍ بِالسَّمَاءِ - هَاتَانِ الْآيَتَانِ (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ (وَمِنْهَا) مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْهُ أَنَّهُمْ جَمَعُوا الْقُرْآنَ فِي مُصْحَفٍ فِي