بِالْمُلْكِ (بِالضَّمِّ) لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ تَجَوُّزًا وَهُوَ خَطَأٌ مِنْهُمْ ; لِأَنَّ هَذَا التَّجَوُّزَ لَا مُسَوِّغَ لَهُ ، وَلَا يَصِحُّ فِي كُلِّ الْآيَاتِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا اللَّفْظُ ، وَالْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ أَبْلَغُ مِنْهُ وَأَعَمُّ ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ وَزِيَادَةٍ ; إِذْ لَيْسَ لِكُلِّ مُلْكٍ فِي الْأَرْضِ عَرْشٌ حَقِيقِيٌّ هُوَ الْمَرْكَزُ الْوَحِيدُ لِتَدْبِيرِ كُلِّ شَيْءٍ فِيهِ ، فَالْعَرْشُ الْعَظِيمُ يَدُلُّ عَلَى الْمُلْكِ الْعَظِيمِ وَعَلَى وَحْدَةِ النِّظَامِ وَالتَّدْبِيرِ فِيهِ ، وَلَفْظُ الْمُلْكِ الْعَظِيمِ لَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا ، لِاحْتِمَالِ وُجُودِ الْخَلَلِ فِيهِ ، وَكَوْنُ تَدْبِيرِهِ لَيْسَ لَهُ مَرْجِعُ وَحْدَةٍ تَكْفُلُ النِّظَامَ ، وَتَمْنَعُ الْخَلَلَ وَالْفَسَادَ ، وَنُظَّارُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَمُفَسِّرُوهُمْ يَتَأَوَّلُونَ الْعَرْشَ وَالِاسْتِوَاءَ عَلَيْهِ فِرَارًا مِنَ التَّشْبِيهِ الَّذِي يَسْتَلْزِمُهُ بِزَعْمِهِمُ الْمَبْنِيِّ عَلَى قِيَاسِ عَالَمِ الْغَيْبِ عَلَى عَالَمِ الشَّهَادَةِ ، وَقِيَاسِ الْخَالِقِ عَلَى الْمَخْلُوقِ ، وَهُوَ قِيَاسٌ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِهِمْ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ سُمِّيَ الْعَرْشُ عَرْشًا لِارْتِفَاعِهِ ، وَفِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ رِوَايَاتٌ فِي وَصْفِ الْعَرْشِ وَمَادَّتِهِ هِيَ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ لَا يَصِحُّ فِيهَا شَيْءٌ مَرْفُوعٌ .
وَنَخْتِمُ تَفْسِيرَ الْآيَتَيْنِ بِتَحْقِيقِ مَسْأَلَتَيْنِ ذُكِرَتَا فِي تَفْسِيرِهِمَا الْمَأْثُورِ وَلَمْ نَرَ أَحَدًا حَقَّقَهُمَا: (الْأَوَّلُ مَا وَرَدَ فِي كِتَابَةِ الْآيَتَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَوْنِهِمَا آخِرَ مَا نَزَلَ)