إذن: فالمخلوق هو الخليفة الإنسان ، وما خلقه الله في الكون ، إنما خلقه لخدمتكم كلكم ، وأنتم تقرون ذلك ، فإذا كان الرب قد سبق لكم بهذه النعم ، وجاء الرسول الذي جاء لكم من عنده بما يسعدكم ، وقد استقبلتم خيره قبل أن يأتي لكم بالتكاليف ، واستقبلتم نعمته قبل أن تكونوا مخاطبين له ، إذن: فالله الذي أرسل رسوله بالتكاليف والمنهج لكم ، لا بد أن يكون قد كلف من هو مؤتمن عليكم ، وهو صلى الله عليه وسلم لم يأت من جنس الملائكة ، بل هو بشر مثلكم ، فإذا قال لكم: افعلوا كذا وكذا وأنا أسوة لكم في الفعل ، فلا تتعجبوا ، لكن غبار الكافرين بالله جعلهم يريدون أن يكون الرسول ملكاً ، فقال الحق: {وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى إِلاَّ أَن قالوا أَبَعَثَ الله بَشَراً رَّسُولاً * قُل لَوْ كَانَ فِي الأرض ملائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكاً رَّسُولاً} [الإسراء: 94 - 95]
أي: إن كنتم تريدون مَلَكاً ، فالملك له صورة لا ترونها ، ولا بد أن نجعله ملكاً في صورة بشر ؛ ليخاطبكم ، إذنك فهل المشكلة مشكلة هيئة وشكل؟ ثم إن الملائكة بحكم الخلق: {لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]
فإذا قال لكم الرسول الملك: أنا أسوة لكم في العمل الصالح ، أكانت تصح الأسوة؟ من المؤكد أن بعضنا سيقول: لا ، لن تنتفع الأسوة ؛ لأنك مَلَك مطبوع على الخير ، وليس لك شهوة بطن ، ولا شهوة فرج ، إذن: فأسوتنا بك لا تصلح .