وَأَمَّا مَا ذَكَرْته فِي مُعَارَضَتِهِ عَنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ أَوْ عَنْ رَأْيٍ فَهُوَ الْمُضْطَرِبُ الْمَوْضُوعُ الَّذِي لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ ، فَكَيْفَ يُعَارَضُ الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ بِالضِّعَافِ وَالثِّقَاتُ بِالْمَوْضُوعَاتِ ؟ الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: فَإِنْ قِيلَ: فَمَا كَانَتْ هَذِهِ الْمُرَاجَعَةُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ؟ قُلْنَا: هَذَا مِمَّا لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ إلَّا بِالرِّوَايَةِ ، وَقَدْ عَدِمَتْ ، لَا هَمَّ إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ قَدْ ذَكَرَ فِي ذَلِكَ وُجُوهًا ، أَجْوَدُهَا خَمْسَةٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً ، وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ لِلْحَاجَةِ.
الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ فِي الصُّحُفِ الْأُولَى ، وَأَنَّهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فِي مِثْلِهَا بِقَوْلِهِ: {يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} ؛ فَهَذَا اقْتِدَاءٌ بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ قَصَدُوا بِذَلِكَ تَحْقِيقَ قَوْلِ اللَّهِ: {إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ؛ فَقَدْ كَانَ عِنْدَهُ مَحْفُوظًا ، وَأَخْبَرَنَا أَنْ يَحْفَظَهُ بَعْدَ نُزُولِهِ ، وَمِنْ حِفْظِهِ تَيْسِيرُ الصَّحَابَةِ لِجَمْعِهِ ، وَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى تَقْيِيدِهِ وَضَبْطِهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْتُبُهُ كَتَبَتُهُ بِإِمْلَائِهِ إيَّاهُ عَلَيْهِمْ ، وَهَلْ يَخْفَى عَلَى مُتَصَوِّرٍ مَعْنًى صَحِيحًا فِي قَلْبِهِ