فيقال له: لم قلت أن كل نقصان فهو عيب؟ وما دليلك على هذا؟ فإنا لدعواك جاحدون، ثم يقال له: أرأيت نقصان الشهر! هل يكون عيباً له؟ ونقصان صلاة المسافر، أهو عيب لها؟ ونقصان العمر الذي أراده الله بقوله: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} أهو عيب له بكل حال؟ ونقصان أيام الحيض عن المعهود، ونقصان أيام الحمل أهو عيب؟ ونقصان المال بسرقة أو حريق أو غريق، إذا لم يفتقر به صاحبه أهو عيب له؟
فإذا كانت هذه الوجوه من النقصان وما يشبهها غير عيب! فما أنكرت أن نقصان أجزاء الدين في زمان الشرع قبل أن يلحق بها الأجزاء الباقية في علم الله تعالى ليس بشين ولا عيب.
ولا أنكرت أن معنى قول الله عز وجل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} يخرج على وجهين:
أحدهما: أن يكون المراد بلغته أقصى الحد الذي كان له عندي فيما قضيته وقدرته، وذلك لا يوجب أن يكون ما قبل ذلك ناقصاً نقصان عيب، لكنه يوصف بنقصان مقيد.
فيقال له: إنه كان ناقصاً عما كان عند الله، إنه ملحقه به وضامه إليه، كالرجل يبلغه الله مائة سنة.
فيقال: أكمل الله عمره، ولا يجب عن ذلك أن يكون عمره حين كان من سنين، كان ناقصاً نقص قصور وخلل.
فإن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «من عمره الله ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر» .
ولكنه يجوز أن يوصف بنقصان مقيد، فيقال: كان ناقصاً عما كان عند الله، إنه مبلغه إياه معمره إليه، وقد بلغ الله، فالظهر والعصر والعشاء أربع ركعات.
فلو قيل عند ذلك أكملها لكان الكلام صحيحاً، ولا يجب عن ذلك أنها كانت - حين كانت ركعتين - ناقصة بعض قصور وخلل.
ولو قيل: كانت ناقصة عمل عبد الله أنه ضامه إليها، وزائدة عليها لكان ذلك صحيحاً، فهذا هكذا في شرائع الإسلام، وما كان شرع منها شيئاً فشيئاً إلى أن أنهى الله تعالى: أن الدين منتهاه الذي كان له عنده، والله أعلم.
والوجه الآخر: أنه أراد بقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} أنه وفقهم للحج الذي لم يكن بقي عليهم من أركان الدين غيره.
فاستجمع لهم الدين أداء لأركانه، وقياماً بفرائضه.
فإنه - صلى الله عليه وسلّم - يقول: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت» .